من محتويات سورة هود على الدعوة إلى الله

 

الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب

الأستاذ المساعد بقسم الدعوة- كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى

 

ملخص البحث

تعرضت في هذا البحث لأصول دعوة الأنبياء لاشتمال سورة هود على الكثير من ذلك فذكرت عرضاً عن قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم ، كما ذكرت من شأن هذه السورة أنها هي وأخواتها : عم يتساءلون ، إذا الشمس كورت، والمرسلات شيبت رسول الله r وذكرت في البحث مكانة الاستقامة وعظم أمرها حيث أمر بها رسول الله r وموسى وهارون وبينت أن هذه السورة بدئت بالهدف المقصود من العباد وهو إفراد الله وحده بالعبادة ، واختتمت به ، كما بينت أن الغيب لا يعلمه إلا الله وإن الملائكة لا يعلمون منه إلا ما علمهم الله ، كما أوضحت أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه .

*     *     *

مقدمة :

الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلّى الله وسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبيّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه والتابعين ، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين .

أمّا بعد :

فإِنَّه لمّا كانت الرسل عليهم صلوات الله وسلامه هم مصدر الدعوة إلى الله، وكانوا الأسوة الحسنة ، والقدوة المتّبعة في شئون الدعوة ؛ كان لزامًا على الدعاة أن يقفوا على دعواتهم ويقتدوا بهم في كلّ مراتب دعواتهم ليتعلّموا طريق الدعوة وأساليبها ومناهجها ووسائلها من خلال قصصهم في القرآن الكريم ، لأنّ الله ما قصّ علينا قصصهم في كتابه إِلاَّ لنقتفي أثرهم ونعتبر بحالهم فنصبر كما صبروا ، وندعو كما دعوا ، ونتسلى بما أصابهم .

ولمّا كانت سورة هود u من السور الَّتي ذكر الله فيها جزءًا كبيرًا من قصص الرسل ، وكيف صبروا على أذى المدعوين وسخريتهم ، وكيف كانت عاقبة مكذّبيهم ؛ جعلتها موضوعًا لهذا البحث المتواضع .

فسورة هود تعرّضت لقصص الأنبياء بالتفصيل ، فقد تعرّضت لدعوة نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم وعلى نبيّنا أتمّ الصلاة والتسليم ، وبدأت بقصة نوح u لأَنَّه الأب الثَّاني للبشر من بعد الطوفان ، قال تعالى :
) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ( ([1]) ، وهو أطول الأنبياء عمرًا ، وأكثرهم بلاءً وصبرًا ، فقد صبر على الدعوة ألف سنة إِلاَّ خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله ، ولم يؤمن به في هذه المدّة إِلاَّ القليل ، كما قال تعالى : ) وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ( ([2]) . ثُمَّ ثنّت بذكر قصّة نبي الله هود ، ثُمَّ قصّة صالح ، ثُمَّ شعيب ، ثُمَّ موسى ، وختمت بتوجيه الخطاب لخاتم الرسل محمَّد r بالاستقامة والصبر والثبات على الدعوة إلى الله : ) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ([3]) . وأعقبت ذلك ببيان الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ليثبت قلب النَّبي r أمام الصعوبات الَّتي يلاقيها أثناء دعوته : ) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ( ([4]) . فهي بدأت بتقرير أصول الدين ، وإقامة الأدلة والبراهين على وجود الله ووحدانيته ، وردّ الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة المحمّدية ، حيث تعرّضت لعناصر الدعوة الَّتي هي : التوحيد ، والرسالة ، والدعوة ، وفرّقت بين الأعمى عن دعوة الحقّ وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها ، ثُمَّ شرعت تسرد قصص الرسل حتَّى ختمت بما بدأت به من التوحيد : ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ([5]) .

وكانت هذه السورة من أعظم السور وأشدّها على رسول الله r هي وأخوات لها من سور القرآن ، فقد ورد عنه من طرق متعدّدة أَنَّه شيّبته هود وأخواتها ، أخرج الحاكم في المستدرك بسنده إلى ابن عبّاس قال : قال أبو بكر الصدّيق t لرسول الله r : أراك قد شبت ، قال : (( شيّبتني هود ، والواقعة ، وعمّ يتساءلون ، وإذا الشمس كوّرت )) ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ، ولم يخرجاه ([6]) ، وسكت عليه الذَّهبيّ في التلخيص ، وأخرجه التِّرمذيّ في تفسير سورة الواقعة ، وزاد : والمرسلات ، وقال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إِلاَّ من هذا الوجه ([7]) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء بعدّة روايات وطرق عن ابن مردويه والبزار وغيرهما ، فانظره ([8]) .

هذا وقد قسّمت الكلام في هذا الموضوع إلى : مقدّمة وتمهيد ومباحث عدّة .

أمّا المقدّمة فقد ذكرت فيها محتويات سورة هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام على الدعوة عن طريق الإجمال .

وأمّا التمهيد فذكرت فيه تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا .

وأمّا المباحث فهي بحسب ما ذكر في السورة الكريمة مما له تعلّق بالدعوة تعلّقًا واضحًا . وقد وصلت إلى ثمان مباحث .

***

التمهيد : تعريف الدعوة لغة

الدعوة: المرّة الواحدة من الدعاء ، واسم الفاعل منها : داعٍ ، تقول : دعاه يدعوه ؛ فهو داع له ، وقوله تعالى : ) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ( [ الأحزاب/46 ] معناه : داعيًا إلى توحيد الله وما يقرّب منه ، وجمع الداعي : دعاة وداعون ، كقضاة وقاضون ، والدعاة : قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة ، واحدهم داع ، ورجل داعية إذا كان يدعو النّاس إلى بدعة أو دين ، والهاء للمبالغة ، والنبي r داعي الله تعالى ، وفي تهذيب اللغة : المؤذّن داعي الله، والنبي داعي الأمّة إلى توحيد الله وطاعته ، قال تعالى في شأن الجنّ : ) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ (
[ الأحقاف/31 ] ، ودعوة الحق شهادة أن لا إله إِلاَّ الله ، والدعاء إلى الشيء : الحثّ على قصده ، ومنه قوله تعالى :
) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ( [ يوسف/33 ] ([9]) .

فتحصّل أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ ، ودعوة الحق هي شهادة أن لا إله إِلاَّ الله ، وأنها تطلق على الدعوة إلى هدى أو ضلالة ، وتطلق على الدعاء إلى الشيء والحثّ على قصده .

أمّا في الاصطلاح :

فقد عرّفها بعض المتأخرين مثل محمَّد الرَّاوي في كتابه (( الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية )) بتعريفين :

الأَوَّل ، قال : ا لدعوة الإسلامية هي : دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد r خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة .

وقال أَيضًا : الدعوة الإسلامية : تبليغ رسالة النَّبي r ([10]) .

وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال : الدعوة هي : قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا ، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة ([11]) .

وعرّفها الأستاذ محمَّد الغزالي فقال : هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَّتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم ، وليستكشفوا معالم الطريق الَّتي يجمعهم راشدين ([12]) .

وعرّفها آخرون بتعاريف أعرضنا عن ذكرها ؛ ففي ما ذكرنا كفاية . وأشمله في رأيي تعريف الغزالي .

 

المبحث الأَوَّل : حكم الدعوة إلى الله ، واختلاف العلماء في ذلك ، وسببه

إنّ الله U أمر نبيّه محمَّدًا r في غير ما آية من كتابه بالدعوة ، كما أمر هذه الأمّة المحمّدية بالدعوة إلى الله ، وأخبر تعالى أنّ فضل هذه الأمّة على الأمم السابقة إِنَّما هو بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ، وذمّ بني إسرائيل لعدم تناهيهم عن المنكر ، وأخبر عن نفسه أَنَّه يدعو إلى الحقّ وأنّ له دعوة الحقّ ، وأَنَّه يدعو إلى دار السلام ، وأمر النَّبي r أصحابه أن يبلّغوا عنه ولو آية ، كما أمرهم أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب ، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ذلك موضّحًا ، فبان مما ذكر أن للدعوة إلى الله أهميّة بالغة ، وأجمعت الأمّة على وجوبها ، إِلاَّ أن العلماء اختلفوا هل هذا الوجوب المتّفق عليه على الأعيان بحيث يكون القيام بالدعوة واجبًا على كلّ فرد من أفراد الأمّة الإسلامية ، وكلّ من تركه يأثم ؟ أم هو وجوب كفاية يكفي في الخروج من عهدة الأمر به قيام بعض الأمّة به دون النظر إلى فاعله ، فكل طائفة من المسلمين قامت به سقط الوجوب عن باقي المسلمين ؟ وسأذكر كلام العلماء في ذلك ـ إن شاء الله ـ بعد سرد الآيات الَّتي فيها الأمر للنبي r وللأمّة بالدعوة ، والآيات الَّتي أخبر فيها أَنَّه يدعو إلى الجنّة ونحو ذلك اهـ .

أمره r  بالدعوة هو وأمّته

قال تعالى مخاطبًا له عليه الصلاة والسلام : ) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ([13]) .

يلاحظ أَنَّه جمع الأمر له ولأمّته في هذه الآية ، وإن كان الأمر له أمرًا لها لأنّ أمر القدوة أمر للأتباع، وقال تعالى : ) وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ( ([14])، وقال تعالى : ) وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
(([15]) ، وقال تعالى : ) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( ([16]) ، وقال تعالى معمّمًا ومخبرًا أَنَّه لا أحد أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إِنَّه من المسلمين فقال : ) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( ([17]) ، وقال تعالى آمرًا هذه الأمّة بالدعوة إلى الله : ) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ([18]) ، وقال تعالى : ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ
( ([19]) ، وقال تعالى ـ ذامًّا لبني إسرائيل ـ : ) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( ([20]) ، وقال تعالى : ) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( ([21]) .

دعوة الله عبادَه إلى الخير

قال تعالى : ) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ( ([22]) . يعني الجنّة ، وقال تعالى : )وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ( ([23]) ، وقال تعالى : ) يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ( ([24]) .

أمره r الأمّة بالدعوة

أخرج البخاريّ في صحيحه بسنده إلى أَبي بكرة أن النَّبي r قال في حجّة الوداع يوم النحر ... (( أيّ يوم هذا ؟ إلى أن قال : ليبلّغ الشاهد الغائب ، فإِنَّ الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى منه )) ([25]) ، وقال r : (( بلّغوا عني ولو آية ، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار )) ([26]) .

المبحث الثاني : في اختلاف العلماء في حكم الدعوة ، وسببه

اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في حكم الدعوة إلى الله تعالى ، هل هي فرض عين أو فرض كفاية ؟ وقد قدّمنا سرد الآيات الَّتي فيها الأمر الصريح للنبي r وللأمّة بالدعوة .

والمقرّر في علم الأصول والَّذي كان عليه القرون المفضّلة أن الأمر للوجوب إِلاَّ إذا وجدت قرينة تصرف عن ذلك الوجوب وهي هنا معدومة ، فحصل الاتفاق على الوجوب ، إِلاَّ أن الكثير من العلماء يقول : هي فرض كفاية يسقط بفعل البعض ([27]) لأنّ الشارع ينظر إلى الفعل دون النظر إلى فاعله في فرض الكفاية ، بخلاف فرض العين فإِنَّ الشارع ينظر فيه إلى كلّ عين من أفراد المكلّفين ، كالصلاة والصوم والزكاة مثلاً ، أمّا إنقاذ الغريق مثلاً فهو فرض كفاية ، وأي فرد من أفراد الأمّة أنقذه سقط الإثم عن الباقين ، ولو تركوا إنقاذه أثموا جميعًا وهلم جرًّا .

سبب الخلاف

إنّ سبب اختلاف العلــماء في هذه المسألة اختلافهم في فهم المراد بـ ( مِن ) من قوله تعالى : ) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ([28]) .

قالوا : إنّ الدعوة إلى الخير تشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم ، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدها من باب ذكر الخاص بعد العام إيذانًا بفضلهما ، أو المراد ذكر الدعاء إلى الخير مفصّلاً بعد الدعاء إليه مجملاً فلزمت دعوة الأمّة لهذا الخير العظيم الَّذي يشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم ، ثُمَّ قال بعضهم : إن هذا التبليغ يصحّ من بعضهم دون الجميع ، وقال بعضهم : إِنَّه يلزم جميع أفراد المكلّفين أن يكونوا دعاة إلى الله حسب استطاعتهم .

فالذين قالوا إِنَّها فرض كفاية قالوا : إن ( مِن ) من قوله : ) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ ... ( للتبعيض ، وقالوا : إنّ الآمِرين يجب أن يكونوا علماءَ وليس كلّ النّاس علماءَ ، والذين قالوا إِنَّها فرض عين قالوا : إن ( مِن ) لبيان الجنس ، وأن المعنى : لتكونوا كلّكم دعاة إلى الخير ، والقول الأَوَّل نصره القرطبي في مواضع من تفسيره ، وقد قال بعد نقله كلام العلماء في المسألة ما نصّه : قلت : القول الأَوَّل أصح فإِنَّه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية ، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله : ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ( ([29]) ، وليس كلّ النّاس مُكّنوا ([30]) .