( المُستخرَج )
لمحمد
بن عائذ الدمشقي (ت 233 هـ)
د. سليمان
بن عبد الله السويكت
جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص
البحث
هذا البحث استخراجٌ لروايات مبثوثة في كتاب موسوعي
ضخم هو تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ( ت 571 ) ، تُعزى هذه الروايات لمحمد بن عائذ
الدمشقي ( ت 233 ) ، وتدخل في حيز نطاق كتاب مفقود له بعنوان ( الصوائف ) ، قمت
باستخراجها وتنسيقها والتأليف بينها والتقديم لها بدراسة عن الكتاب ، ثم رتبتها
ترتيباً تاريخياً متسلسلاً . تكــمن
القيــمة العلمــية لهـذا ( المُستخرَجْ ) في أن نص الكتاب الأصلي لازال مفقوداً ،
وأن المكتبة التاريخية تكاد تخلو من مثل هذا النوع من المؤلفات وأن المادة التاريخية التي يحويها النص
لا يكاد يوجد ما يوازيها في المصادر في هذا الباب ؛ من حيث الشمول أو دقة
التفصيلات في بعض الأحداث ، ولا في الاعتماد على النقل من المصادر قريبة من الحدث
.
• • •
مقدمة :
إن الحمد لله تعالى نحمده
ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من
يهده الله تعالى فلا مضل له ومن
يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له و أشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ،
أما بعد : فلما كنت بصدد جمع مادة علمية لبحث كان بعنوان : ( محمد بن عائذ الدمشقي
ومصنفاته التاريخية ) أثار انتباهي وجود كَمّ كبير من المرويات تدخل في نطاق كتاب
اسمه : ( الصوائف ) لمحمد بن عائذ نفسه ، ضمن كتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر
، وقد رأيتني مسوقاً إلى جمع تلكم
المرويات والنصوص من هذا السفر ، إلى أن التفتُّ فرأيت من ذلك ما يستحق أن يفرد في
كتاب مستقل مستخرج ينسب إلى صاحبه ؛ محمد بن عائذ الدمشقي ، ولا سيما أن ميدان
الصوائف والشواتي ([1]) من
الميادين التي يندر أن تجد فيها مؤلفاً مفرداً([2]) ، مما يضفي
على كتاب ابن عائذ هذا ( الصوائف ) ميزة فريدة بكونه من المؤلفات العزيزة في هذا
المجال . ولهذا فبعد أن فرغت من استقراء تاريخ ابن عساكر قمت بمراجعة للمصادر
التاريخية الأخرى استكمالاً لجمع نصوص كتاب الصوائف ، فما ظفرت إلا بعدد محدود من
الروايات من تاريخ خليفة بن خياط . بعد ذلك نسقت تلك النصوص تاريخياً و واءمت
بينها ، وأحلت إلى ما وجدته مما يماثلها في المصادر التاريخية الأخرى عن غير ابن
عائذ ، وترجمت للأعلام الواردة فيها خاصة ما يتصل بأسانيد الروايات ، ومن له علاقة
بالأحداث ، وعرفت بما تيسرت معرفته من الأماكن ، وأعددتها للنشر ، لأهميتها البالغة في كونها تضيف إلى
المكتبة التاريخية مادة منسقة كانت أشلاء مبعثرة هنا وهناك في ميدان هذا النظام
الحربي المميز ؛ نظام الصوائف و الشواتي .
إن من البدهي لنشر مثل هذا النص أن يسبق
بدراسة تعريفية عن المؤلف تستوفي كافة المعلومات المتعلقة به ، ولأني قمت بمثل هذه
الدراسة في بحث سابق([3]) فلن أكررها
في هذا المقام ، ولكن عند طبع الكتاب فسأضمها إليه بإذن الله تعالى .
أما العناصر التي أضفتها هنا والمتممة
لهذا العمل فهي :
-
موارد ابن عائذ في كتاب الصوائف
-
رواة هذا
الكتاب
-
القيمة
العلمية للكتاب
-
توثيق النص
-
المنهج المتبع
لاستخراج الكتاب
وحاولت في هذه الدراسة المقدَّمة بين يدي
النص الإيجاز لئلا يثقل كاهل البحث وحتى يكون البحث مقبولاً . هذا وأسأل الباري عز وجل أن ينفع بهذا العمل الذي استغرق وقتاً
طويلاً وجهداً مضنياً ، وأن يجعله
خالصاً لوجهه الكريم ، وصلى الله تعالى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، ومن حمل
لواء دعوته مبلغاً لها إلى يوم الدين .
أولاً
: تعريف موجز بـ ( المؤلف )
محمد بن
عائذ مصنف الكتاب :
هو محمد بن عائذ بن
عبد الرحمن بن عبيد الله القرشي ، الملقب بالكاتب ، أبو عبد الله الدمشقي.
ولد بمدينة دمشق في سنة 150 ([4]) باتفاق بين
من ترجم له . وأمضى شطراً من حياته في طلب العلم في بلاد الشام على عدد من الشيوخ
المعروفين في الحديث والمغازي والسير والفتوح ، ومن أشهر من تلقى عنه العلم شيخه الكبير أبو العباس
الوليد بن مسلم بن العباس القرشي المتوفى سنة 195 ، عالم أهل الشام في وقته ([5]).
وقد كان ابن عائذ ثقة صدوقاً ، أجمعوا
على عدالته وديانته ، إلا أنهم ذكروا عنه قوله بالقدر.
أما من حيث
مؤلفاته : فلم يذكر له أيَّ مصنف في علم الحديث على الرغم من اشتغاله به وتدريسه
له ، لكنه ألف عدداً من المصنفات التاريخية هي : كتاب المغازي ،
والفتوح ، و السير ، والصوائف ، كما
ذُكر له مصنف آخر بعنوان : ملح النوادر .
تلقى عن ابن عائذ عدد من أهل العلم من أهل الشام أو ممن
ورد عليها من غيرهم ، ويعد أحمد بن إبراهيم البسري ([6]) ، أبو عبد
الملك الثقة أخص من روى عنه ، ولاسيما في الميدان التاريخي ، لكن طلاب ابن
عائذ كانوا يواجهون صعوبة في الأخذ عنه بسبب وعورة
في أخلاقه ، وخشونة في تعامله ، وكان لا يصل إلى مراده منهم إلا النبهاء الذين
يحسنون فن المداراة والملاطفة .
كانت وفاة
ابن عائذ – وفق ترجيحنا في الدراسة المشار إليها – سنة 233، في يوم
الخميس ، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر . رحمه الله تعالى وغفر له ([7]) .
ثانياً
: ( عن الكتاب )
رواة كتاب الصوائف :
بعد جولة طويلة في المصنفات
التاريخية انحصر ما تم جمعه من نصوص
تتعلق بالصوائف من مصنَّفيَن فحسب ، هما : تاريخ خليفة بن خياط (ت 240) ، وتاريخ
مدينة دمشق لابن عساكر (ت 571 ) . أما تاريخ خليفة فأخذت منه حوالي أحد عشر رواية
، كلها من طريق بَقيُّ بن مَخلَد عن بكّار بن عبد الله الدمشقي عن محمد بن عائذ .
إن جميع المرويات التي أضافها بقي
بن مخلد إلى تاريخ شيخه خليفة بن خياط عن محمد بن عائذ جاءت بمثل هذا الطريق
تقريباً : " كتب إلي بكار بن عبد الله عن محمد بن عائذ .. " ([8])
وقد سمع بقيُّ من بكار في مدينة دمشق ([9]) ، ولكن
طريقة التحمل التي يثبتها هنا تدل على أن ما رواه في هذا الصدد لم يكن مما سمعه
منه في دمشق .
أما باقي مرويات كتاب الصوائف فهي من
تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، وهي في حدود ثلاث و أربعين ومائة رواية ، كلها وردت عن طريق أحمد بن إبراهيم
البسري عن محمد بن عائذ ، ماخلا رواية واحدة كانت عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد ،
وإسنادها كالتالي :
"
أنبأنا أبو طالب الحسين بن محمد ، أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسّن ، أنبأنا محمد
بن المظفر ، أنبأنا بكر بن أحمد بن حفص ، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى ، حدثني يزيد
بن محمد ، حدثنا محمد بن عائذ .. " ([10]) . ويلاحظ
على هذا الإسناد النزول ، بينما الإسناد إلى أحمد بن إبراهيم البسري كان أعلى ،
وهو على المثال التالي :
"
أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني ، نا أبو محمد الكتاني ، أنا أبو محمد بن أبي نصر ،
أنا أبو القاسم بن أبي العقب ، أنا أحمد بن إبراهيم ، نا محمد بن عائذ " ([11]) . ولم
يتغير رجال هذا الإسناد إلا في حالات نادرة جداً ، كتغير شيخ ابن عساكر المباشر ،
فهو في الغالب : أبو محمد بن الأكفاني ، وأحيانا أبو القاسم النسيب ([12]) ، ونادراً
ما يكون غيرهما ([13]).
وجميع مرويات ابن عساكر عن محمد بن عائذ
في هذا الكتاب جاءت مسندة ،إلا في حالات محدودة جداً روى عنه مباشرة بدون إسناد ،
كأن يقول : " قال محمد بن عائذ .." ([14])، ثم يذكر
الحادثة .
ترجمة الرواة :
أولاً : في تاريخ خليفة :
= بكَّار بن
عبد الله بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطأة، أبو عبد الرحمن ،
روى عن أبيه ومحمد بن عائذ ومروان الطاطري وغيرهم ، وروى عنه أحمد بن أبي الحواري
و أبو زرعة الدمشقي ، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ، وبقي بن مخلد التقى به لما
ورد إلى دمشق وأخذ عنه ، قال عنه أبو حاتم الرازي : صدوق ([15]) .
= بَقيُّ بن
مَخْلَد بن يزيد ، أبو عبد الرحمن الحافظ ، أحد علماء الأندلس الكبار الزهاد
المجتهدين غير المقلدين ، ذو رحلة واسعة ، روى عن جمع كبير من العلماء ؛ منهم : أحمد بن حنبل ، وأبو بكر بن أبي شيبة
، وخليفة بن خياط ، وبكار بن عبد الله ، وروى عنه خلق كثير ، له مصنفات نفيسة في
التفسير والحديث والفقه وغيرها ، كانت ولادته سنة 185 ، ووفاته سنة 276 رحمه الله
تعالى ([16]) .
ثانياً : في
تاريخ مدينة دمشق : وسأترجم لرجال الإسناد المشهور فحسب ، بعداً عن
الإطالة:
= أحمد بن
إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن بكار بن عبد الملك بن الوليد ابن بسر بن أبي أرطأة
القرشي ، أبو عبد الملك الدمشقي ، روى عن جمع من أهل العلم ، منهم: محمد بن عائذ
الدمشقي ، وأبوه إبراهيم ، وجده محمد
، وغيرهم ، وروى عنه جمع أيضاً ، منهم : النسائي ، و أبو القاسم علي بن
يعقوب بن أبي العقب الهمداني وغيرهما ، قال عنه النسائي : لابأس به ،
وقال الحافظ أبو القاسم : ثقة . توفي سنة
289 ([17]).
= علي بن
يعقوب بن إبراهيم بن شاكر بن زامل ، أبو القاسم الهمداني ، المعروف بابن أبي العقب
، روى عن جماعة من أهل العلم ، منهم: أبو عبد الملك البسري ، وعبد الله بن أحمد بن
حنبل ، وجعفر الفريابي ، وروى عنه أبو محمد ابن أبي نصر وجمع غيره ، وهو أحد
الثقات الكبار ، مات سنة 353 ([18]) .
= عبد
الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف بن حبيب ، أبو محمد بن أبي نصر التميمي العدل
، حدث عن عدد من أهل العلم ، منهم : أبو القاسم الهمداني ، وأحمد بن سليمان بن
زبان الكندي ، وأبو إسحاق بن أبي ثابت
، وحدث عنه أبو الحسن بن رشأ بن نظيف، وأبو سعد السمان ، وأبو محمد عبد
العزيز الكتاني وغيرهم ، قال عنه الكتاني
: لم ألق شيخاً مثله زهداً وورعاً
وعبادة ورئاسة وكان ثقة عدلاً مأموناً رضاً ، ولد سنة 327 ، وتوفي سنة 420 ([19]) .
= عبد
العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سليمان ، أبو محمد التميمي الكتاني الحافظ ، رحل
في طلب العلم وسمع من أبي محمد بن أبي نصر التميمي، وعبد الوهاب المري ، وعلي
الرزاز وغيرهم ، وروى عنه أبو بكر بن الخطيب البغدادي ، و أبو عبد الله الحميدي ،
وأبو محمد بن الأكفاني وغيرهم ، قال عنه ابن الأكفاني : كان من المكثرين من الحديث
كتابة وسماعاً ومن المعتنين به الجامعين له مع صدق وأمانة وصحة واستقامة وسلامة
مذهب ، وكان ثقة . كانت ولادته سنة
389 ، وأما وفاته فسنة 466 ([20]) .
= هبة الله
بن أحمد بن محمد بن هبة الله بن علي الأنصاري ، أبو محمد الدمشقي المعروف بابن
الأكفاني ، سمع من والده وأبي القاسم الجنائي و أبي بكر الخطيب وعبد العزيز
الكتاني ولازمه مدة ، حدث عنه أبو بكر ابن العربي وأبو طاهر السلفي وابن عساكر ،
وقال عنه : سمعت منه الكثير ، وكان ثقة ثبتاً متيقظاً معنياً بالحديث وجمعه
، غير أنه كان عسراً في التحديث ، وكان شديد العناية بالتاريخ أيضاً ، ولد سنة 444
، وكانت وفاته سنة 524([21]).
= علي بن
إبراهيم بن العباس بن الحسن بن العباس .. ابن الحسين بن علي ابن أبي طالب ، أبو
القاسم الحسيني ( النسيب ) ، حدث عن أبيه وعمه أبي البركات ، وأبي بكر الخطيب ،
وعبد العزيز الكتاني وجمع غيرهم ، وكتب عنه شيخه عبد العزيز هذا ، وسمع منه ابن
عساكر و جماعة من شيوخه منهم أبو
محمد بن الأكفاني ، قال ابن عساكر : سمعت منه كثيراً ، وكان مكثراً ثقة ،
ذكر أن مولده سنة 424 ، أما وفاته ففي سنة 508 ([22]) .
= علي بن
الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين ، أبو القاسم ابن عساكر الحافظ الكبير المتقن
، إمام أهل الحديث في زمانه ، سمع من أكثر من ألف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة ،
وكان ديناً خيراً حسن السمت ، جمع بين معرفة المتون والأسانيد ، مثبت محتاط ، رحل
وبالغ في الطلب إلى أن جمع مالم يجمعه غيره ، صنف التصانيف المفيدة كتاريخ دمشق وغيره ، فحفظ فيه ثروة من العلم ضاع
معظمها ، كانت ولادته سنة 499 ، أما وفاته فسنة 571 رحمه الله تعالى رحمة واسعة ([23]) .
إنك عندما تمعن النظر في
سلسلة هؤلاء الرواة تجد أنهم حفاظ ثقاة متقنون ، يشتغلون بحديث رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم إلى جانب اشتغالهم بالتاريخ ، مما يبعث في النفس الاطمئنان ويزيد
الثقة بمروياتهم التاريخية .
موارد ابن
عائذ في كتاب الصوائف :
يظهر من خلال النصوص
التي تندرج تحت مسمى الصوائف أن جلها مأخوذ عن شيخه الوليد بن مسلم ، وقد كان
الوليد شاهد عيان في بعضها([24]) ، وفي
بعضها يروي عن شيوخه شهود العيان([25]) ، وكان
الوليد يبزُّ معاصريه في المعرفة بأمر المغازي([26]) ، و غزوات
الصوائف و الشواتي لقرب عهده بها ، و اختلاطه بالشيوخ المشاركين فيها أو المطلعين
عن كثب على أحداثها ، وسؤالهم عما خفي عليه من شأنها ، وتسجيله لتلك الأحداث أو
روايتها ([27]) . وفي الصوائف
أيضاً يروي عن شيخه أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر ، وهو يروي عن شهود عيان مشاركين
فيها ، وهو أيضاً معاصر لها ([28]).
كما أخذ عن شيخه إسماعيل بن
عياش ([29])، واستقى
عدداً محدوداً من الروايات عن كل من شيوخه : محمد بن شعيب ([30]) ، ومروان
بن محمد ([31])، وسليمان
البهراني ([32]) ، والهيثم
بن حميد ([33])، و الواقدي
([34]) ، و من مزايا ابن عائذ في هذا الكتاب أنه
سجل أحداثاً عاصرها هو بنفسه كحديثه عن غزو المأمون الصائفة في سنوات 215، 217 ،
218([35]) .
فيظهر من هذا العرض الموجز
أن موارد ابن عائذ كانت على درجة من الأهمية ؛ حيث توفُّر الإسناد ، والعدالة
والصدق في الشيوخ على وجه العموم ، وقرب العهد من الأحداث ، والرواية عن شهود
العيان ، والمعاصرة للأحداث .
القيمة العلمية للكتاب :
تكمن القيمة العلمية لهذا النص المستخرج لكتاب ( الصوائف ) في أن نص الكتاب
الأصلي لا زال مفقوداً ، وأن المكتبة التاريخية في أمس الحاجة لمادة علمية عن مثل
هذا النوع من النشاط الحربي المتمثل في الجهاد في سبيل الله تعالى لتلك الأمم
القوية المجاورة للمسلمين في بلاد الشام والجزيرة والتي ظلت تتحرش بهم من حين لآخر
، متحينة الفرص لغزوهم في أوقات ضعفهم أو انشغالهم بأزماتهم الداخلية ؛ حيث لا نجد
في المصادر الأصلية الإسلامية الموجودة بين أيدينا مادة تشبه مادة هذا الكتاب في
شمولها ولا في دقة تفصيلاتها في بعض الأحداث، ولا في اعتمادها في النقل عن مصادر
قريبة من الحدث في هذا الميدان من النشاط الحربي.
ونصوص
الكتاب تكشف عن مدى الوعي الجهادي
الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية في جميع مستوياتها ؛ على مستوى القيادة ، ابتداء
من عصر الراشدين ، ومروراً بالعصر الأموي ، وانتهاء بالعصر العباسي الأول ، و على
مستوى الأمة جماعة وأفراداً ،كما يظهر ذلك جلياً في ثنايا تلك النصوص .
كما أن
قيام العلامة ابن عساكر بنقل نصوص وروايات كثيرة جداً من كتاب الصوائف لابن عائذ
في كتابه تاريخ دمشق بأسانيده يعبر عن القيمة العلمية لهذا الكتاب ومؤلفه ، ويعطي
انطباعاً عن مدى وثوقه بمروياته في هذا الباب الفريد .
ويلاحظ من
خلال مادة هذا الكتاب ونصوصه أنها ذات اتصال وثيق ببلاد الشام وأحداثها وعلاقاتها
الحربية مع جيرانها البيزنطيين ، فكأنها رصد لتاريخ الشام الحربي مع الروم خاصة في
العصر الأموي ، من واقع إسهامات الشام الواضحة والجلية في حملات الصوائف والشواتي
.
ومما يوضح
القيمة العلمية للكتاب ما أشرت إليه قبل قليل في ختام الحديث عن موارد الكتاب من
وجود أسانيد الروايات ، وتوفر العدالة في الشيوخ ، وقرب العهد من الأحداث ،
والرواية عن شهود العيان المشاركين فيها ، ومعاصرة ابن عائذ نفسه لبعض مادونه من
روايات ، ولاشك أن هذا مما يرفع من قيمة الكتاب في نظر المختصين .
توثيق نص
الكتاب :
إن جميع المادة العلمية
المضمنة في هذا الكتاب مروية بأسانيد متصلة معروفة ([36])، مثبتة في
تاريخ خليفة بن خياط و تاريخ دمشق لابن عساكر تنتهي جميعها إلى ابن عائذ ، ولذا
فهي صحيحة النسبة إليه .
أما إدخال تلك المرويات في
نطاق كتاب (الصوائف) لابن عائذ دون
غيره من مصنفاته الأخرى المفقودة فهو استناداً إلى موضوعها الذي تبحث فيه ، وهو
اجتهاد مني بذلت وسعي في تحري الدقة فيه ، و مع هذا ففي تصوري أنه قد لا يضير
الكتاب دخول رواية واحدة أو عدد محدود من الروايات فيه ما دام أنها ثابتة النسبة لمؤلفة
، وفي نطاق موضوعه .
المنهج
المتبع لاستخراج الكتاب :
لقد قمت باستقراء لمعظم كتب الحديث والطبقات والسير والتراجم والتاريخ -
وهي كثيرة جداً ([37]) -
تتبعاً لمادة هذا الكتاب ، لكن لم أظفر بشيء من ذلك إلا في الكتابين اللذين
سبقت الإشارة إليهما ؛ وهما : تاريخ خليفة بن خياط ، وتاريخ دمشق ، وتتمثل أبرز
معالم المنهج الذي اتبعته فيما يأتي :
-
لم أستخرج من النصوص والروايات إلا ما ثبت لدي نسبته لابن
عائذ مصرحاً باسمه فيه.
-
لم أدرج من الروايات إلا ماصُرِّح فيه باسم صائفة أو شاتية ،
أو غزو للمسلمين إلى بلاد الروم ، أو حرب معهم ، أوبلاد الخزر ، حيث كانت كلها
تدخل في هذا النطاق ، أو ماله علاقة بذلك.
-
حذفت الأسانيد
من روايات ابن عساكر خاصة ؛ لطولها ، وتماثلها ، ولأنها ستزيد من حجمه ، والوصول
إليها متيسر لمن أرادها ، وفائدتها محدودة في مثل هذا البحث . وقد سبقت الترجمة لرجال
الإسناد المشهور المتكرر من ابن عساكر إلى ابن عائذ .
-
وثَّقت كل
رواية على حدة ، وأشرت إلى مواضع وجودها إن تكررت في أكثر من موضع .
-
نسقت الروايات
تاريخياً ما أمكنني ذلك ، وواءمت بينها ، على الرغم من التداخل الواضح في بعضها .
-
أحلت إلى بعض الروايات
الموجودة في المصادر الأخرى في مضانها المماثلة لما عند ابن عائذ ، خاصة من تاريخ
خليفة بن خياط وتاريخ الطبري.
-
ترجمت لأكثر
الأعلام الواردة في النصوص ، و حرصت على الترجمة لرجال إسناد ابن عائذ إلى راوي
النص أو شاهد الحدث ، وبيان حالهم ، وذلك من أجل تجليتهم للقارئ ، ما أسعفتني
المصادر بذلك ، وما تركته من رجال الإسناد دون ترجمة فإني لم أجد له في المصادر
التي بين يدي ذكراً .
-
عرَّفت بما
تيسرت معرفته من الأماكن .
-
وضعت عناوين من عندي بين حاصرتين هكذا [ ] لبعض المرويات المتماثلة ذات الموضوع
الواحد ، ووضعت كلمة [كذا] بين تينك الحاصرتين بعدما أشكل فهمه من النص .
-
رقَّمت
الروايات بأرقام مسلسلة لتسهيل مراجعتها .
ثالثاً : نص كتاب (
الصوائف ) المستخرج
[ العصر الراشدي ]
[1] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال : وذكر
محمد بن عمر الأسلمي أن أول من أجاز الدرب([38]) من المسلمين
عمير بن سعد الأنصاري ([39])، قال :
وغيرنا يقول : العنسيّ ، يعني ميسرةَ بنَ مسروق ([40]) .
[2] محمد بن عائذ ، أنبأنا الوليد بن مسلم ،
نا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ([41]) ، قال : ثم
دخل ميسرة بن مسروق العبسي أرض الروم في ستة آلاف ، فوغل فيها وغنم وسبى ، وجمعت
له الروم ، فلقيهم بمرج القبائل([42]) ، وهو في
مسيرة فحلف على السبقة وهي جمعهم بنفسه ومن معه [كذا] ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ،
فهزمهم الله ، وكانت فيهم مقتلة عظيمة .
قال ابن جابر : فأدركت عظامهم تلوح في
مرج القبائل ، وهي إحدى ملاحم الروم التي أبيروا فيها.
قال ابن جابر : فكان ميسرة بن مسروق
وأصحابه أول جيش للمسلمين دخل الروم ([43]).
[3] محمد بن عائذ القرشي ، قال : قال الوليد
: حدثنا غير واحد ممن سمع هشام بن حسان ([44]) أن محمد بن
سيرين ([45]) حدثه ، أن
عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطاب ، فكان من عجبه به يسميه ( نسيج وحده ) ،
وبعثه مرة على جيش من قبل الشام ، فقدم مرة وافداً ، فقال يا أمير المؤمنين : إن
بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها غرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون
ويفعلون ، فقال عمر : إذا أتيتهم فخيرهم بين أن ينقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا ،
وتعطيهم مكان كل شاة شاتين ، ومكان كل بقرة بقرتين ، ومكان كل شيء شيئين ، فإن
فعلوا فأعطهم ذلك ، وإن أبوا فانبذ إليهم ، ثم أجلهم سنة ، فقال : يا أمير
المؤمنين ، اكتب لي عهدك بذلك ، فكتب له عهده ، فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به
أمير المؤمنين ، فأبوا فأجلهم سنة ، ثم نابذهم ، فقيل لعمر : إن عمير قد خرب غرب
السوس وفعل وفعل ، فتغيظ عليه عمر . ثم إنه قدم بعد ذلك وافداً ومعه رهط من أصحابه
، فلما قدم عليه علاه بالدرة ؛ خرَّبت غرب السوس ، وهو ساكت لا يقول له شيئاً ، ثم
قال لأصحابه : مبرنسين ؛ مبرنسين ! ضعوا برانسكم ([46])، فقال عمير
: ضعوا برانسكم ثكلتكم أمهاتكم ، إنكم والله ما أنتم بهم ، فوضعوا برانسهم ، فقال
عمر : معممين ؛ معممين! ضعوا عمائمكم ([47])، فقال عمير
: ضعوا عمائمكم ، فإنا والله ما نحن بهم ، فقال : مكممين ؛ مكممين! ضعوا أكمامكم([48])، فقال عمير
: ضعوا أكمامكم ثكلتكم أمهاتكم ،
فإنا والله ما نحن بهم ، قال : فوضعوا أكمامهم ، فإذا عليهم جِمَام ([49])، فقال عمر
: أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلقين لرفعت بكم الحشب ([50]). ثم إن عمر
دخل على أهله ، فاستأذن عليه عمير فدخل ، فقال يا أمير المؤمنين: أقرأ إلي عهدك في
غرب السوس ، فقال عمر رحمك الله، فهلا قلت لي وأنا أضربك، فقال:كرهت أن أوبخك يا
أمير المؤمنين ، فقال عمر : غفر الله لك ، ولكن غيرك لو كان .
قال الوليد : ورأيت خلف درب الحرب مدينة
حين أشرفنا على
قُبَاقب([51]) ناحية ،
فسألت عنها مشيخة من أهل قنسرين ، فقالوا : هذا غرب السوس ؛ مدينة أنسطاس التي
غدرت ، فأتاهم عمير بن سعد فقاتلهم ففتحها وخربها ، فهي خراب إلى اليوم ([52]) .
[4] ابن عائذ ، قال : قال الوليد : حدثنا
سعيد بن عبد العزيز ([53]) ، أنبأنا
أبو محمد ، قال : حبيب بن مسلمة ([54]) كان على الصوائف
في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ويبلغ عمر عنه ما يحب ، ولم يثبته
معرفة حتى قدم عليه حبيب في حجة ، فسلم عليه فقال له عمر : إنك لفي قناة رجل ، قال: إي والله ، وفي سنانه ، قال عمر
: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء ، قال : ففتحوها له فعدل عن الأموال وأخذ
السلاح ، انتهى([55]).
[5] ابن عائذ ، قال : قال الوليد : فحدثنا
سعيد بن بشير ([56]) ، عن قتادة([57]) ، عن عكرمة
([58]) ، أنه غزا
مع ابن عباس أرض الروم ، وعلى الناس حبيب بن مسلمة ، حتى بلغنا مدينة الفتية ([59]) الذين
ذكرهم الله في كتابه ([60]).
[6] ابن عائذ ، قال : وأنبأنا الوليد بن مسلم
، قال : فحدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ابن رغبان ([61])، أنه حدثه
على أن حبيب بن مسلمة غزا أرض الروم ، على جماعة في خلافة عمر بن الخطاب ، فاهتم
عمر بأمرهم ، فلما بلغه خروج حبيب ومن معه خر ساجداً ، انتهى ([62]) .
[7] ابن عائذ ، نبأنا عبد الأعلى بن
مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز ، أنه حدثه أن حبيب بن مسلمة لقي موريان ، وحبيب في
ستة آلاف ، وموريان في سبعين ألفاً ، فقال حبيب : إن يصبروا وتصبروا فأنتم أولى
بالله منهم ، وإن يصبروا وتجزعوا فإن الله مع الصابرين ، ولقيهم ليلاً ، فقال :
اللهم أبدلنا قمرها ، واحبس عنا مطرها ، واحقن دماء أصحابي ، واكتبهم شهداء ، ففتح
الله تعالى له ، وتواعد الجلندح العبسي وعتبة بن جحدم قبة موريان ، فوجدوا قتيلين
على بابها ، انتهى ([63]).
[8] قال : وأنبأنا الوليد بن مسلم ، قال :
فحدثنا سعيد بن عبد العزيز ، أنه بلغ الروم مكان حبيب بن مسلمة والمسلمين بأرمينية
الرابعة ([64]) ، في ستة
آلاف من المسلمين ، فوجهوا إليهم موريان الرومي ، في ثمانين ألفاً ، فبلغ ذلك
حبيباً ، فكتب إلى معاوية ، فكتب معاوية إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى صاحب
الكوفة يمده ، فأمده بسلمان الباهلي
في ستة آلاف ، وأبطأ على حبيب المدد ، ودنا منه موريان الرومي ، فخرج مغتماً
بلقائه ، فغشي عسكره وهم يتحدثون على نيرانهم وسمع قائلاً يقول لأصحابه : لو كنت
ممن يسمع حبيب مشورته لأشرت عليه بأمر يجعل الله لنا وله نصراً وفرجاً إن شاء الله
، فاستمع حبيب لقوله ، فقال أصحابه : وما مشورتك ؟ قال : كنت مشيراً عليه ؛ ينادي
في الخيول ، فيقدمها ، ثم يرتحل بعسكره يتبع خيله ، فتوافيهم الخيل في جوف الليل ،
وينشب القتال ، ويأتيهم حبيب بسواد عسكره مع الفجر ، فيظنون أن المدد قد جاءهم ؛
فيرعبهم الله ، فيهزمهم بالرعب ، فانصرف ، ونادى في الخيول فوجهها في ليلة مقمرة
مطيرة ، فقال : اللهم خل لنا قمرها ، واحبس عنا مطرها ، واحقن لي دماء أصحابي ،
واكتبهم عندك شهداء ، قال سعيد : فحبس الله تعالى عنهم مطرها ، وجلا لهم قمرها ،
وأوقفهم من السحر ، قال سعيد : وتواعد عتبة بن جحدم والجلندح العبسي حجرة موريان ([65]) .
[9]
محمد بن عائذ ، أخبرني
الوليد بن مسلم ، عن ابن علاق ؛ يعني عثمان بن حصن ([66]) ، عن يزيد
بن عبيدة ([67]) ، قال :
وغزيت قبرس الثانية ، سنة سبع وعشرين ، عليهم أبو الأعور السلمي ([68]).
[10]
محمد بن عائذ ، أخبرنا الوليد ، عن صخر بن جندلة ([69]) ، أنه حدثه
عن يونس بن ميسرة بن حلبس ([70]) ، عن أبي
فوزة حدير السلمي ([71]) ، قال :
خرج بعث الصائفة ، فاكتتب فيه كعب ([72]) ، فلما
انفر البعث ، أخرج كعب ، وهو مريض ، وقال : لأن أموت بحَرَسْتا([73]) أحب إلي من
أن أموت بدمشق([74]) ، ولأن
أموت بدَومة([75]) أحب إلي من
أن أموت بحرستا ، هكذا قدماً في سبيل الله عز وجل ، قال : فمضى ، فلما كان بفجّ
مَعلولا ([76]) ، قلت:
أخبرني ، قال : شغلتني نفسي ، قلت : أخبرني ، قال : إنه سيقتل رجل يضيء دمه لأهل
السماء ، ومضينا حتى إذا كنا بحمص([77]) توفي بها ،
فدفناه هنالك بين زيتونات بأرض حمص ، ومضى البعث فلم يقفل حتى قتل عثمان ، انتهى ([78]).
[ العصر الأموي ]
[11] محمد بن عائذ ، أنا الوليد بن مسلم ،
حدثني مبشر بن إسماعيل([79])، عن جعفر
بن برقان ([80]) ، عن أبي
عبد الله ؛ حرسي عمر بن عبد العزيز([81]) ، قال :
سمعت عمر بن عبد العزيز يقول : حدثني حرسي معاوية أنه قدم على معاوية بطريق من
الروم يعرض عليه جزية الروم ، عن كل من بأرض الروم من كبير أو صغير جزية ؛ دينارين
دينارين ، إلا عن رجلين ؛ الملك وابنه ، فإنه لا ينبغي للملك وابنه أن يجزيا ،
فقال معاوية - وهو في كنيسة من كنائس
دمشق - : لو صببتم لي دنانير جزية حتى تملؤوا هذه الكنيسة ، ولا يجزي الملك وابنه
ما قبلتها منكم ، قال الرومي : لا تماكرني ، فإنه لا يماكر أحد مكراً إلا ومعه كذب
، فقال معاوية : أراك تمازحنى ، قال الرومي : إنك اضطررتني إلى ذلك ، وغزوتني في
البر والبحر والصيف والشتاء ، أما والله يا معاوية ما تغلبوننا بعدد ولا عدة ،
ولوددت أن الله جمع بيننا وبينكم في مرج ثم خلى بيننا وبينكم ، ورفع عنا وعنكم
النصر ، حتى ترى ، قال معاوية : ما له قاتله الله ! إنه ليعرف أن النصر من عند
الله ([82]).
[12] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد :
وحدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى ([83]) ، و غيره
أن قيسارية فلسطين كانت آخر الشام ومدائنها وحصون سواحلها فتحاً ، وأن طرابلس([84]) دمشق كانت
قبلها فتحاً بسنة ، أو نحو
ذلك ، وأن أهلها من الروم كانوا في منعة من حصنها ، فذكرت ذلك لشيخ من أهل طرابلس
، فحدثني أن معاوية بن أبي سفيان
وجّه إليه سفيان بن مجيب الثمالي([85]) في جماعة
وعسكر عظيم ، قال أبو مطيع : فعسكر في مرج السلسلة - بينه وبين مدينة أطْرَابُلُس
خمسة أميال - في أصل جبل يقال له طربل ، فكانوا هنالك ، يسير إليهم منه ، قال
الشيخ : فحاصرهم سفيان ومن معه أشهراً حتى انحاز أهلها إلى حصنها الخرب اليوم
- الذي عند كنيستها الخارجة منها
قبل مدينة أطرابلس اليوم - فكتب إليه معاوية ؛ يأمره أن يبني له ولأصحابه حصناً
يأوي إليه ليلاً ، ويغازيهم نهاراً ، فبنى سفيان حصناً يقال له حصن سفيان ، وهو
اليوم يسمى كفر قدح ، من مدينة أطرابلس ، على ميلين ونحو ذلك ، فلما رأى ذلك أهلها
، واشتد عليهم الحصار ، كتبوا إلى طاغية الروم ، فوجه إليهم مراكب كثيرة ، فأتوهم
ليلاً فاحتملوهم فيها جميعاً ؛ صغيرهم وكبيرهم ، وحرقوها ، وصبح سفيان وأصحابه
الحصن فلم يجدوا فيه أحداً إلا يهودياً تحصن من النار في سرب فيها ، فخرج من السرب
فأخبرهم خبر الروم ومسيرها في السفن ، قال الشيخ : فوجه إليها معاوية بن أبي سفيان
ناساً من يهود الأردن ، فأسكنهم إياها ، فلم يزل على ذلك لا يسكنها غيرهم ، حتى
دخل رجل من الروم من أرض الروم ، يقال له بقناطر لحدث كان منه بالروم ، فأقبل
بأهله وماله حتى استأمن ، فأؤمن ، فنزلها فلم يزل كذلك ، حتى كان في زمان عبد
الملك بن مروان ، فكان يقطع إليها بعثاً من أهل دمشق صيفاً فإذا شتوا قفلهم ، وشتا
فرس بعلبك([86]) ، فأقام
فيها بقناطر زماناً حتى خرج أهل بعلبك منها ، فلم يبق فيها من المسلمين إلا صاحب
خراجها ورجلان معه ، فبينا هو كذلك إذ أتاه بقناطر في جماعة من أهل بيته فقتله ،
وقتل صاحبيه ، وغلق باب المدينة ، وأخرج من في الحبس ، ثم قعد في مركبين من مراكب
الصناعة ، وأخذ ناساً من يهود
وانطلق بهم حتى أتى بهم صاحب الروم ، فبينا هو يسير في مركبه إذ لقيه
مركبان للمسلمين ، كان صاحب البحر وجههما من عكا([87]) إلى قبرص([88]) ، ليأتياه
بالخبر ، فلما رآهما بقناطر عرف صاحبي المركبين من المسلمين ، وهما من بعلبك ،
يقال لأحدهما : قابوس ، والآخر سابور ، فقالا: أين بقناطر ؟ فقال : أرسلني أمير المؤمنين إلى الطاغية ،
أعليكما له طاعة ؟ قالا له : نعم ، قال : فإنه قد أمرني أن أتوجه بكم معي في أمره
، وأراهما كتاباً كتبه عليه طائع ، فخرجا من مركبيهما حتى قعدا معه في مركبه ،
وأمر أهل مركبهما بالمضي ، فمضوا ، فأوثقهما ، حتى أتى بهما ملك الروم ، فقبل منه
ملك الروم وعفا عنه ، وصير الرجلين عند بطريق من بطارقة الروم ، حتى جلس ملك الروم
يوماً ينظر إلى شماس من أهل بعلبك هرب إليهم ، يقلب بسيفه يعجبه ، وقد كان قابوس
سايفه ببعلبك ، فقال قابوس : إن رأى الملك أن يأذن لي في مسايفته فعل ، فأذن له ،
فلما تقدم إليه قال له قابوس : اربط في رأسك يا شماس صوفاً من ألوان ، ففعل ، فجعل
قابوس يسايفه ، يتطاير ألوان الصوف من رأسه ، والشماس لا يبصر ، حتى قال : خذها مني وأنا قابوس ، قال
الشماس : البعلبكي ؟! قال : نعم ، قال : إنما فررت منك بالشام ثم لحقتني ها هنا ،
ثم سألهما الملك أن يتنصرا ، ويدخلا في دينه ، ففعلا ، وبلا منهما حرصاً ووفاء ،
فبينما هما على ذلك ، إذ بلغه خروج سفن العرب إلى جماعة الروم ، فوجه إليهما بعثاً
، وأمر ملك الروم قابوس وسابور بالمسير مع من وجه ، وقال لهما : ما رأيكما ؟ قالا
: نحن أعلم الناس بقتال العرب ، فليوجه الملك معنا أهل الشرف والجلد منهم ، فإن
السفلة لا تقاتل حمية ولا عن حسب ، فوجه من بطارقته جماعة منهم ؛ فيهم بقناطر
الرومي الهارب كان منهم ، ثم سار إليهم ، فراطن قابوس سابور بالفارسية ؛ أن الفرصة
قد أمكنتنا ، وصارا هما وأشراف من الروم وبقناطر في مركب واحد ، فلما لقوا
المسلمين في البحر وتوسطا سفنهما كبّرا ، وشدا على من معهما منهم ، واجتمع إليهم
المسلمون ، فأسروهم أسراً - وفيهم بقناطر - فأتي به عبد الملك ، فأمر بقتله ، وقطع
على فرس بعلبك الخمس سكاناً لمدينة أطرابلس ، ففعلوا وسكنوها وإلى غيرها من مدائن
الساحل ، قال : ففتحت أطرابلس يومئذ عنوة ، فليس لأحد ممن فيهما من الأعاجم فيها
حق ولا عهد ([89]).
[13] ابن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، عن زيد
بن دعكنة البهراني([90]) ، أن
معاوية شتى بسر بن أبي أرطأة([91]) بأرض الروم
؛ بالحَمَّة ، سنة أربع وأربعين ([92]).
[14] قال :
وأخبرني الوليد ، عن يزيد ([93]) بن دعلبة
أن معاوية بن أبي سفيان شتى في سنة خمس وأربعين عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ([94]).
[15] قال :
وقال الوليد بن مسلم : سمعت سعيد بن عبد العزيز ، أو غيره ، يخبر أن معاوية شتى
عبد الرحمن بن خالد سنتين في جيش مقيم بأرض الروم ، يدخل عليه القواد سنة سنة يصيف
ويشتو عنده لم يغفل عنه حتى مات عبد الرحمن بأرض الروم ([95]).
[16] ابن عائذ ، أخبرني الوليد ، عن زيد بن
عكنة البهراني ، أن معاوية شتى في سنة ست وأربعين أبا كلثم الأزدي ([96])، وفي سنة
سبع وثمان أبا عبد الرحمن القيني([97]).
[17] محمد بن عائذ ، أخبرني الوليد ، أنا زيد
بن ذعلبة البهراني ، أن معاوية بن أبي سفيان شتا في سنة سبع وأربعين مالك بن هبيرة
([98]) ، ثم غزا
في سنة خمسين يزيد بن معاوية ([99]).
[غزو
القسطنطينية في عهد معاوية رضي الله تعالى عنه ]
[18] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، حدثني إسماعيل بن عياش ، عن صفوان ابن عمرو([100]) ، قال :
غزى غازية السفن إلى القسطنطينية عبد الله بن قيس بالمحرقات ([101]). وعن صفوان بن عمرو : أن عبد الله بن قيس
لقي في مسيره إلى القسطنطينية بمحرقاته محرقات الروم على الخليج ، فاقتتلوا قتالاً
شديداً ، فهزمت محرقات المسلمين محرقات الروم ، وجاءوا بالأسارى من الروم فضرب أعناقهم يزيد بن معاوية ،
والروم تنظر إليهم ، قال صفوان : فلذلك يقول زياد ابن قطران الهوزني :
|
يومَ المدينة يومَ ذاتِ النارِ |
|
هل
أتاك أميرَ المؤمنين
مصفُّنا |
|
خشناءَ كل عشية وبكار |
|
صُبُراً تعادي صفهم
بكتيبة |
|
تكويمَ
قصر مشرف الإجّار |
|
جاءوا
بشبه الفيل كوُّم صدرُها |
|
قعساء قد تعيا على البحّار |
|
سوداء بل سحماء غُيِّرَ لونُها |
|
|
شبه
الجنون لشارب المصطار ([102]) |
|
فترمدت
واجلولذت قترى لنا |
|
[19] ابن عائذ ، نا الوليد
بن مسلم ، نا إسماعيل بن عياش ، عن صفوان ابن عمرو ، عن الفرج بن يحمد ، عن بعض
أشياخه ، قال : كنا مع سفيان بن عوف الغامدي ([103])شاتين بأرض
الروم ، فلما صفنا ، دعا سفيان الخيول ، فاختار ثلاثة آلاف ، فأغار بنا على باب
الذهب ، حتى فزع أهل القسطنطينية ، وضربوا بنواقيسهم ، ثم لقونا ، فقالوا : ما
شأنكم يا معشر العرب ، وما جاء بكم ؟ قلنا : جئنا لنخرب مدينة الكفر ، ويخربها
الله على أيدينا ، فقالوا : ما ندري
أخطأتم الحساب ، أم كذب الكتاب ، أم استعجلتم القدر ! والله إنا لنعلم أنها ستفتح
يوماً ، ولكنا لا نرى هذا زمانها ([104]) .
[20] ابن عائذ ، نا الوليد ، نا عبد الله بن لهيعة ([105]) ، والليث
بن سعد ([106]) ، عن يزيد ([107]) ، عن أبي
عمران التجيبي ([108]) ، قال :
غزونا القسطنطينية ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني([109]) ، وعلى
الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ([110]) .
[21] ابن عائذ ، قال الوليد بن مسلم : ثنا أبو داود ([111]) ، عن يونس
ابن الحارث الثقفي ([112]) ، قال :
سمعت مشرساً ([113]) يحدث ، عن
أبيه ، قال : بينا نحن وقوف على القسطنطينية إذ هتف أبو شيبة ؛ فقال : يا أيها
الناس ، فأقبلت إليه ومعي ناس كثير ، فإذا نحن برجل متقنع على دابته ، وهو يقول :
يا أيها الناس ، من كان يعرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني ، فأنا أبو شيبة الخدري
صاحب رسول الله r ، سمعت رسول الله r يقول : من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً ، وجبت له الجنة . ومات
فدفناه مكانه ([114]).
[22] محمد بن عايذ ، نا الوليد ، ابن لهيعة ،
عن يزيد يعني ابن أبي حبيب ، عن أبي عمران التجيبي ، قال : فلم يزل أبو أيوب يجاهد
في سبيل الله حتى غزا القسطنطينية وتوفي بها فدفن بها ([115]) .
[23] ابن عائد ، نا الوليد ، نا إبراهيم
بن محمد ، عن الأعمش ([116]) ، عن أبي
ظبيان ([117]) ، قال : أوصى
أبو أيوب أن يدفن إلى جانب القسطنطينية ، فناهضنا المدينة حتى دنونا منها ، ثم
دفناه حتى أقدامنا .
قال ونا الوليد ، نا غير واحد ،
منهم أبو سعيد المعيطي ([118]) : أن أهل
القسطنطينية قالوا ليزيد ومن معه : ما هذا ؟! ننبشه غدا ، قال يزيد : ذا صاحب نبينا ،
أوصى بهذا لئلا يكون أحد من المجاهدين ومن مات في سبيل الله أقرب إليكم منه
، لئن فعلتم لأنزلن كل جيش بأرض العرب ،ولأهدمن كل كنيسة ، قالوا : إنما أردنا أن
نعرف مكانه منكم ، لنكرمنه لصحبته ومكانه ، قال : فبنوا عليه قبة بيضاء ، وأسرجوا
عليه قنديلاً ، قال أبو سعيد : وأنا دخلت عليه القبة في سنة مائة ، ورأيت قنديلها
، فعرفنا أنه لم يزل يسرج حتى نزلنا بهم ([119]) .
[24] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال
: قال سعيد بن عبد العزيز : أغزا معاوية الناس الصوائف وشتاهم بأرض الروم ست عشرة صائفة بها ، وشتوا ، ثم يقفل ،
ويدخل معقبتها ، ثم اغترهم ، فأغزاهم يزيد ابنه في جماعة من أصحاب رسول الله في البر والبحر ، حتى أجاز بهم الخليج ،
وقاتلوا أهلها على بابها ، وقفل . قالوا فلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله([120]) .
[25] محمد بن عائذ ، قال : نا الوليد بن مسلم
، نا زيد بن ذعلبة البهراني ، أن يزيد بن معاوية استخلف ابن مكرز على شاتيته سنة
خمسين ؛ يعني حين انصرف من غزو القسطنطينية في عهد أبيه معاوية ([121]).
[26] أبو عبد الله محمد بن عائذ ، أنا الوليد
، نا سعيد بن عبد العزيز ، أن أبا مسلم الخولاني ([122]) كان ممن
شتى مع بسر بن أبي أرطأة ، فأدركه أجله بها ، فأتاه بسر في مرضه ، فقال له أبو
مسلم : اعقد لي على من مات معك من المسلمين في هذه الغزاة ؛ فإني أرجو أن آتي بهم
يوم القيامة على لوائهم .
قال : ونا ابن عائذ ، حدثني عبد الأعلى
بن مسهر ، عن سعيد بن
عبد العزيز ، أن أبا مسلم الخولاني قال لبسر بن أبي أرطأة – وقد حضرته الوفاة
بأرض الروم - : اعقد لي على من مات
ها هنا ، قال : رجاء أن يبعث عليهم.
قال : ونا ابن عائذ ، نا الوليد بن مسلم
، قال : وقد أخبرني صاحب لنا يقال له أحمد بن الحسن ، أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان
شتى بسر بن أبي أرطأة سنة إحدى وخمسين ([123]).
[27] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : قال
زيد : وفي سنة إحدى وخمسين غزا فضالة بن عبيد الأنصاري الشاتية ([124]).
[28] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ،
أخبرني صاحب لنا يقال له : أحمد بن الحسن ، أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان شتى
عبد الرحمن بن أم الحكم سنة اثنتين وخمسين بأرض الروم ([125]).
[29] ابن عائذ ، قال : قال الوليد : فأخبرني من سمع إسماعيل بن عبيد
ابن نفيع أن معاوية أغزى عبد الرحمن ابن أم الحكم أرض الروم ، وكان فيها ، ووفّد
ابن هرقل خصياً له يريد معاوية على الصلح ، على أن تجعل له ضواحي أرض الروم ، على
أن يكف الجنود ولا يغزيهم ، فأجابه معاوية إلى ذلك ، فأرسل معه اثني عشر رجلاً من
حرسه ، نفيع أبو إسماعيل أحدهم ، فانطلقوا مع الخصي حتى أتوا عبد الرحمن بكتاب
معاوية برأيه ، فخلى سبيل من كان معه من السبي ، ونفذ رسل
معاوية إلى ابن هرقل ، فلما دخلوا عليه ، وقرأ كتابه ، جعل ينفخ ، ويقول : اضطر
معاوية ، أرسلت إليه لا رجل ولا امرأة ! أناأعطيه ضواحي الروم بخدعة ! أنااعطيه
ضواحي الروم ! وقتل تسعة من الرسل ، واستبقى نفيعاً وابنه ، فحبسهم في سجنه ، وبلغ
معاوية الخبر ، فأمر عبد الرحمن بالمقام بأرض الروم ([126]) .
[30] قال : ونا ابن عائذ ، قال : فأخبرني
الوليد بن مسلم ، عن زيد بن ذعلبة ، قال : ثم شتا محمد بن عبد الله سنة ثلاث
وخمسين ([127]).
[31] ابن عائذ ، أخبرني إسماعيل بن عياش ، عن
يحيى بن يزيد ([128]) ، عن زيد
بن أبي أنيسة ([129]) ، عن عقبة
بن رافع ، قال : غزوت مع عمي الصائفة ، وعلينا معن بن يزيد الخفافي ([130]) - من أصحاب
النبي [ r] - ، فنزل منزلاً حتى أشفينا على أرض العدو ، فقام في الناس ،
فحمد الله ، وأثنى عليه ، فقال : يا أيها الناس إنا لا نريد أن نقسم الغُنْم
والعلف وأشباه ذلك ، فخذوا منه ما أحببتم فقد أحللناكم منه ([131]) .
[32] قال :
ونا ابن عائذ، نا الوليد، قال : قال زيد بن دعكنة: ثم شتا سفيان بن عوف سنة أربع و خمسين ، قال : ونا ابن عائذ ، قال :
وحدثني عبد الأعلى ، عن سعيد بن عبد العزيز : أن سفيان بن عوف ، أو مالك بن عبد
الله ، شك سعيد ، كان يركب الثقل وهو أمير الصائفة ([132]).
[33] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال : وقد
بلغنا أن سفيان ؛ يعني ابن عوف ،
هلك ، واستخلف عبد الرحمن بن مسعود ([133]) ، يعني على
الصائفة ، قال أبو عبد الله ابن عائذ : فسمعت غير الوليد ينشد هذه الأبيات :
|
كما
كان سفيان بن عوف يقيمها |
|
أقمْ يا ابنَ مسعود قناةً صَليبة |
|
كما
كان سفيان بن عوف يسومها |
|
وسُمْ
يا ابنَ مسعود مدائنَ قيصر |
|
تُضيمُ
وما في الناس حيّ يُضيمها |
|
وسفيان قَرْمٌ من قروم
قبيلة |
قال : وأنا
ابن عائذ ، قال : فحدثني الوليد بن مسلم ، عن زيد بن ذعبلة البهراني ، أن ابن
مسعود شتا سنة خمس وخمسين ([134]) .
[34 ] قال ابن عائذ : فسمعت عبد الأعلى يحدث ؛
قال : غضب معاوية على ابن مسعود في
شيء ، فقال له : هلا فعلت كما فعل سفيان بن عوف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وأين أنا من سفيان بن عوف ، قال :
عفونا عنك ؛ بمعرفتك فضل سفيان ،
وقد قيل : إن المستخلَف عبد الله بن مسعود ؛ المعروف بابن مسعدة ، أخا عبد
الرحمن ([135]).
[35]
محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : أخبرني إسماعيل ، وغيره ، أنه كان في
كتاب معاوية إلى عبد الله بن قرط ([136]) ؛ بلغني
كتابك في مواضع رايات الأجناد المعلومة ، فهي على مواضعها الأولى ، فإذا حضر أهل
الشام جميعاً ، فأهل دمشق وحمص ميمنة الإمام ([137]).
[36]
قال ابن عائذ ، قال : كان معاوية ولاه [ أي عبدَ الله بن قرط ] حمص ،
فحدثني سليمان بن عبد الحميد البهراني ، قال : سمعت يوسف بن الحجاج ([138]) ، يقول :
سمعت جنادة بن مروان يقول : عن أشياخه ، أن عبد الله بن قرط - وهو وال على حمص -
خرج يحرس ليلة على شاطئ البحر ، فلقيه
ماثور الروم فقتله عند
الموضع ، الذي يسمى برج ابن قرط - وهو فيما بين بانياس ومَرَقيّة - ([139]). قال : وسمعت سليمان البهراني يقول
: سمعت العلاء بن يزيد الثمالي يقول : سمعت أشياخنا من وأهل بيت يحدثون [كذا] :
أن عبد الله بن قرط خرج يعسُّ - وهو
وال على حمص - على شاطئ الساحل ، فنام على فرسه لم يشعر حتى أخذته الروم فقتلته في
هذا الموضع ، يعني عند برج ابن قرط ([140]).
[37]
ابن عائذ ، ثنا الوليد ، حدثني يعني ابن علاف ([141]) ، عن يزيد
بن عبيدة ، قال : وفي سنة سبع وخمسين شتى يزيد بن شجرة أرض الروم ([142]).
[38]
محمد بن عائذ ، حدثني الوليد ، عن زيد بن ذعلبة البهراني ، قال : ولي مالك
بن عبد الله سنة سبع وخمسين . وحدثني غير زيد أن مالك بن عبد الله الخثعمي([143]) شتى بالناس
بأرض الروم سنة ست وخمسين بأرض الروم [كذا].
[39] ابن عائذ ، قال الوليد : حدثني منير بن
الزبير ([144]) ، عن عبادة
بن مكي ([145]) ، أن مالكاً ولي الصوائف حتى سماه
المسلمون مالك الصوائف . قال : ونا الوليد بن مسلم ، حدثني ابن جابر ، أن مالك بن
عبد الله كان يلي الصوائف حتى عرفته الروم بذلك ([146]).
[40] قال بقي : وكتب إلي بكار بن عبد الله ،
عن محمد بن عائذ ، قال : حدثني الوليد ،
قال : حدثني غير يزيد ، قال : وفي سنة ثمان وخمسين شتى عمرو بن مرة ([147]) البذبذون ([148]) ، وأغار الحصين بن نمير على صائفة الروم ([149]).
[41] قال : وكتب إلي بكار بن عبد الله ، عن
محمد بن عائذ ، عن الوليد ، عن رجل ، قال : وفي سنة تسع وخمسين شتى جنادة بن أبي
أمية بأرض الروم ([150]).
[42] ابن عائذ ، نبأنا الوليد ، حدثنا ابن
لهيعة ، عن مسلم بن زياد([151]) ، عن سفيان
بن سليم ، أنه أخبره عن جنادة بن أبي أمية الأزدي ([152]) ، أن
معاوية كتب إليه يأمره بالغارة على جزيرة البحر بمن معه ، وذلك في الشتاء بعد
إغلاق البحر ، فقال جنادة : اللهم إن الطاعة علي وعلى هذا البحر ، اللهم أنا أسألك
أن تسكنه ، وتسيرنا فيه ، فزعموا أنه ما أصيب فيه أحد انتهى ([153]).
[43] ابن عائذ ، قال : قال محمد بن شعيب ([154]) : نا نصر
بن حبيب السلامي ([155]) ، قال :
كتب معاوية إلى مالك بن عبد الله الخثعمي ، وعبد الله ابن قيس الفزاري ([156]) ؛ يصطفيان
له من الخمس ، فأما عبد الله فأنفذ كتابه ، وأما مالك فلم ينفذه ، فلما قدما على
معاوية بدأه في الإذن وفضله في الجائزة ، وقال له عبد الله : أنفذتُ كتابَك ولم
ينفذه ، وبدأتَه في الإذن وفضلته في الجائزة، فقال : إن مالكاً عصاني وأطاع الله ،
وإنك عصيت الله وأطعتني ، فلما دخل عليه مالك ، قال : ما منعك أن تنفذ كتابي ؟ قال
: ما كان أقبح بك وبي أن نكون في زاوية من زوايا جهنم ؛ تلعنني وألعنك ، وتلومني
وألومك ، وتقول لي : هذا عملك ، وأقول : هذا عملك ([157]) .
[44] ابن عائذ ، نا إسماعيل بن عياش ، عن عطية
بن قيس ([158]) ، عن بعض
من كان يلزم مالك بن عبد الله الخثعمي بأرض الروم ، قال : أيقنته ؛ فما وجدت منه
ريحَ طيب في شيء من أرض الروم ، حتى أجاز الدرب قافلاً ، فذكرت ذلك له ، قال مالك
: وحفظتَ مني ؟ قال : نعم ، قال : ما كان يسوغ لي أنا أتطيب ، لما يهمني من أمر
رعيتي حتى سلمهم الله ، فلما سلمهم الله وأمنت ، تطيبت ([159]).
[45] ابن عائذ ، نا عبد الأعلى بن مسهر ، عن
عقبة ([160]) ، عن
الأوزاعي ([161]) ، عن يحيى
بن أبي عمرو الشيباني ([162]) ، عن أبيه
، قال : غزونا مع مالك ؛ فحاصرنا حصناً ففتحه الله ، وأصيب رجل من المسلمين ، فجعل
الناس يهنؤونه ، وهو يقول : يا ليت الرجل لم يقتل ، ويا ليت الحصن لم يفتح ، وكان
صائماً لم يفطر ، وأصبح صائماً والناس يعزونه ، وهو يقول : يا ليت الرجل لم يقتل
ويا ليت الحصن لم يفتح ([163]) .
[46] ابن عائذ ، نا إسماعيل بن عياش ، عن أبي
بكر بن أبي مريم ، عن عطية بن قيس ، عن مالك بن عبد الله ، أنه كان معه يغزو ،
فإذا هو بشجرة الفاكهة ، فضرب بسوطه ، ثم قال : .. الفاكهة ، ولا تقطعوا شجراً
مثمراً ؛ فإنه لكم منفعة في غزوكم قابل ([164]) .
[47] ابن
عائذ ، سمعت محمد بن شعيب يحدث ؛ أن مولى لمالك بن عبد الله دخل الحمام معه ، وأنه
نظر إلى كتاب في فخذ مالك ؛ ( مالك عدة لله ) ، قال : فلما رآني أجمح نحوه ، قال :
ما تنظره ، والله ما كتبه بشر ([165]).
[48] وكتب إلي بكار بن عبد الله ، عن محمد بن عائذ ، قال : وحدثنا
غير الوليد بأمراء معاوية على الصوائف ، فكتبت ذلك على ما سمعت … من ذلك ؛ ما حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن
صفوان بن عمرو ، عن سعيد بن حنظلة ([166]) ، أن معاوية
بن أبي سفيان أمّر عمرو بن معاوية العقيلي([167]) على
الصائفة ، فلما قدم سأله عما بلغ الخمس ، فأخبره ، فقال : أين هو ؟ قال عمرو :
تسألني عن الخمس - وأرى رجلاً من المهاجرين يمشي على قدميه لا أحمله - فقال معاوية
: لا جرم ، لا تنالها ما بقيت ، قال : إذاً لا أبالي ، وأنشأ يقول :
|
وأتركُ
أصحابي فما ذاك بالعدل |
|
تُهادي
قريشٌ في دمشق غنيمتي |
|
|
ولا
أبتغي طولَ الإمارة بالبخل |
|
ولستُ أميراً أجمعُ المال تاجراً |
|
|
فلستُ
على مالي بمستغلق قفلي([168]) |
|
فإن
يمسك الشيخ الدمشقي مالَه |
|
|
[49] قال محمد بن عائذ ، وحدثني إسماعيل بن
عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن أبي حِسبة : أن عمرو بن معاوية العقيلي كان وهو على
الجيش ينزل فيواسي أصحابه بسوق السبي والجزور والرمك ([169]) ، مشمراً
عن ساقيه ([170]).
[50] قال محمد ، وحدثني مروان بن محمد ، عن
رشدين بن سعد ([171]) ، عن الحسن
بن ثوبان ([172]) ، عن يزيد ([173]) : أنه كان
على أهل الشام منقلبه عبد الله بن قيس الفزاري ، وعلى أهل مصر عوام اليحصبي ، وعلى
أهل المدينة عبد العزيز بن مروان ، وعوام على الجماعة ([174]).
[51] قال محمد ، وحدثني مروان بن محمد ، عن
رشدين بن سعد ، عن الحسن بن ثوبان ، قال: قال يزيد : ففتح عبد الله بن قيس الفزاري
منقبة في خلافة معاوية ، فكانت غنائمهم يومئذ مائة دينار وأوقية تبر وقمقم صفر([175]) ، قال :
فلم أسأل مروان عن هؤلاء الأمراء الذين ذكر في الحديث الأول ، أفي هذه الغزاة
كانوا جميعاً ، أم كانت هذه غزاة قبلهم ؟ ([176]).
[52] قال محمد ، وحدثني الوليد بن مسلم ، قال
: كان آخر ما أوصاهم به معاوية أن شدوا خناق الروم، فإنكم تضبطون بذلك غيرهم من
الأمم . قال الوليد : مات معاوية في رجب سنة ستين ، وكانت خلافته تسع عشر سنة ونصف
سنة. قال محمد : وحدثني الواقدي ؛ أن معاوية مات وهو ابن ثمان وسبعين ([177]).
[53] قال محمد : قال الوليد بن مسلم : ولي يزيد بن معاوية ، فغزا في
ذلك العام مالكُ سورية ([178]).
[54] ابن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، نا يحيى
بن حمزة ([179]): أن يزيد
بن معاوية أغزى يزيد بن أسد ([180]) أرض الروم
،ففتح قيسارية أرض الروم([181])، وسبى منها
خمسة وأربعين ألفاً ([182]).
[55] وكتب إلي بكار بن عبد الله ، عن محمد بن
عائذ ، عن الوليد بن مسلم ، قال : وفي سنة إحدى وستين كانت غزوة مالك بن عبد الله
الصائفة ؛ غزوة قونية ([183]).
[56] كتب إلي بكار، عن محمد بن عائذ، وكان
الجوع فترك أهل الشام الغزو سنة ثمان وستين ([184]).
[57] كتب إلي بكار ، عن محمد بن عائذ ، قال :
تخلف أهل الشام عن الغزو عام الردغة ، فأخذ خمس أموالهم من العطاء سنة سبعين ([185]).
[58] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد :
وأخبرني غير واحد أن طاغية الروم لما رأى ما صنع الله للمسلمين منعة مدائن الساحل
[كذا] ، كاتب أنباط جبل لبنان واللكام ، فخرجوا جراجمة فعسكروا بالجبل ، ووجه
طاغية الروم فلقط البطريق في جماعة من الروم في البحر ، فسار بهم حتى أرساهم بوجه
الحجر ، وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل لبنان ، وبث قواده في أقصى الجبل حتى
بلغ أنطاكية وغيرها من الجبل الأسود ، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل حتى لم يكن أحد
يقدر يخرج في ناحية من رحا ولا غيرها إلا بالسلاح . قال الوليد : فأخبرنا غير واحد من شيوخنا أن الجراجمة ([186]) غلبت على
الجبال كلها من لبنان وسنير([187]) ، وجبل
الثلج وجبال الجولان ، فكانت باسبل مسلحة لنا في الرقاد ، وعقربا الجولان مسلحة ،
حتى جعلوا ينادون عبد الملك بن مروان من جبل دير المران ([188]) من الليل ،
حتى بعث إليهم عبد الملك بالأموال ليكفوا ، حتى يفرغ لهم ، وكان مشغولاً بقتال أهل
العراق ومصعب ابن الزبير وغيره .
قال : ثم كتب عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر في مدينة أطرابلس يتوعده ،
ويأمره بالخروج إليهم ، فلم يزل سحيم ينتظر الفرصة منهم ، ويسأل عن خبرهم
وأمورهم حتى بلغه أن ( فلقط ) في
جماعة من أصحابه ، في قرية من قرى الجبل ، فخرج سحيم في عشرين رجلاً من جلداء أصحابه
، وقد تهيأ بهيئة الروم ؛ في لباسه وهيئته وشعره وسلاحه متشبهاً ببطريق من بطارقة
الروم قد بعثه ملك الروم إلى جبل اللكام في جماعة من الروم ، فغلب على ما هنالك ،
فلما دنا من القرية خلف أصحابه ، وقال انتظروني إلى مطلع كوكب الصبح ، فدخل على
فلقط وأصحابه وهم في كنيسة يأكلون ويشربون ، فمضى إلى مقدم الكنيسة فصنع ما يصنعه
النصارى ؛ من الصلاة والقول عند دخول كنائسها ، ثم جلس إلى فلقط ، فقال له : من
أنت ؟ فانتمى إلى الرجل الذي يتشبه به ، فصدقه ، وقال له : إني إنما جئتك لما
بلغني من جهاز سحيم وما اجتمع به من الخروج إليك لأخبرك به ، وأكفيك أمره إن أتاك
، ثم تناول من طعامهم ، ثم قال لفلقط وأصحابه : إنكم لم تأتوا ها هنا للطعام
والشراب ، ثم قال لفلقط : ابعث معي عشرة من هؤلاء من أهل النجدة والبأس حتى نحرسك
الليلة ، فإني لست آمن أن يأتيك ليلاً ، فبعث معه عشرة ، وأمرهم بطاعته ، فخرج بهم
إلى أقصى القرية ، وقام بهم على الطريق الذي يتخوفون أن يدخل عليهم منه ، فأقام
حارساً منهم ، وأمر أصحابه فناموا، وأمر الحارس إذا هو أراد النوم أن يوقظ حارساً
منهم وينام هو ، فحرس الأول، ثم أقام الثاني ، ثم قام سحيم الثالث ، ثم قال : أنا
أحرس فنم ، فلما استثقل نوماً قتلهم بذبابة سيفه رجلاً ، رجلاً ، فاضطرب التاسع ،
فأصاب العاشر برجله فوثب إلى سحيم ، فاتحدا ، وصرعه الرومي ، وجلس على صدره ،
واستخرج سحيم سكيناً في خفة فقتله بها ، ثم أتى الكنيسة ، فقتل فلقط وأصحابه رجلاً
، رجلاً ، ثم خرج إلى أصحابه
العشرين ، فجاء بهم فأراهم قتله من قتل من الحرس ، وفلقط ، ومن في الكنيسة ،
ووضعوا سيوفهم فيمن بقي ، فنذر بهم من بقي منهم ، وخرجوا هراباً حتى أتوا سفنهم
بوجه الحجر، فركبوها ، ولحقوا بأرض الروم، ورجع أنباط جبل لبنان إلى قراهم ([189])
[59] محمد بن عائذ ،
قال : وفي سنة ست وسبعين غزا عمرو بن محرز الأشجعي ([190]) على
الصائفة ففتح هرقلة ([191]).
[60] محمد بن عائذ ، حدثنا الوليد بن مسلم ،
قال : وفي سنة سبع وسبعين غزا الوليد بن عبد الملك وحضر فتح صملة ([192]).
[61] ابن عائذ ، قال : وفي سنة ثمان وسبعين
غزا يحيى بن الحكم مرج الشحم ([193]).
[62] محمد بن عائذ ، قال : وفي سنة إحدى
وثمانين غزا عبيد الله بن مروان وفتح حصن سنان ، وأصيبت الروم ([194]) .
[63] ابن عائذ ، قال : وفي سنة ثلاث وسبعين
كانت غزوة محمد بن مروان ([195]) سبيسطة
فواقع الروم فهزمهم . وفي سنة أربع وسبعين غزا محمد ابن مروان أندرلية ([196]). وفي سنة
خمس وسبعين غزا محمد بن مروان الصائفة([197]) . وفي سنة ثلاث وأربع وثمانين غزا عبد الله
بن عبد الملك ([198]) الصائفة ،
وغزا محمد بن مروان فواقع الروم وأهل أرمينية ، فهزمهم الله . وفي سنة خمس وثمانين
غزا محمد بن مروان أرمينية فسار فيها وتطرف
. وفي سنة ست وثمانين غزا محمد بن مروان الشاتية ، فأصيب الناس بالمصيصة .
وفي سنة سبع وثمانين غزا محمد بن مروان أرمينية ([199]) .
[64] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : فأخبرني الليث - يعني
الفارسي - ([200]) وغيره من
أهل مدينة أطرابلس : أن الروم هربت من
جبل لبنان ، ثم لم تخرج في البحر في زمان عبدالملك ، حتى خرجت في سفنها إلى مدينة
أطرابلس ؛ خرجت في سفن كثيرة ، حتى خرجت على وجه الحجر ، فجعلت على عقبة وجه الحجر
([201]) خمسين
سفينة ، وأمرهم أن يأخذوا بالعقبة، فيمنعوا الغوث والمدد ، أن يجيروهم ، وجعلوا
بينهم وبين فتحهم مدينة أطرابلس ، والقفول إذا رأوا النار ظاهرة في مدينة أطرابلس
، أقبلوا إليهم ، ليقفلوا جميعاً ،
ومضى صاحبهم بجماعة سفنه حتى أتى أطرابلس ، ووافى كل أهلها غزاة في البحر
ليس فيها إلا نفر يسير ، وفيهم سحيم بن المهاجر ، وليس بوال عليها ، ففزع إليه الوالي
، فأمر منادياً ، لا يظهرن أحد منكم
على الحائط فيرهبكم كثرتهم ، وتجرؤهم عليكم قبلتكم ، والصلاة جامعة ، فاجتمعوا في
المسجد ، فأمرهم فعدوا مقاتلتهم فوجدوهم خمسين ومائة مقاتل ، سوى أهل السوق وضعفة
الناس ، وأمر ببروجها وما بين كل برجين من الشرفات فحسب، ثم فرق من فيها على كل
برج بحصته وعدة من يكون بين كل برجين، ومن يقوم على باب الميناء ، ومن يكون على
بابها في البحر ، فاستقل عدة المقاتلة ، فأمر بألوان الثياب فأتي بها ، فألبس
جماعة فشحن البرج وما بينه وبين الآخر من الشرفات ، فلبسوا ألوانا من الثياب ،
وعقد لرجل منهم ، وأمرهم أن يذهب بهم جميعاً حتى يظهر على برج ويقيمهم على الشرفات
، فإذا رأوهم ، وعلموا أنهم قد شحنوا ذلك البرج بالرجال قاموا ملياً ، ثم يثبت عدة
منهم قياماً، ويحبس البقية فيرجعوا
اليه ، فشحن البرج الثاني لوناً آخر من الثياب جماعة ، وعقد لرجل منهم ، وأمره
فصنع مثل ما صنع أهل البرج الأول ، حتى شد بروجه رأي العين ، فاستقصد من استقصد
للباب والميناء ، ونزلت الروم فيما بين الميناء الى النهر ، نحواً من ثلاثة أميال
، ثم أقبلت إلى ما يلي من البر ، ووجه المقابل فحفروا خندقاً لهم ، وبنوا دون
الخندق حائطاً يسترهم من النشاب والمجانيق ، فقاموا خلفه ، ودنت طائفة بالدبابات
حتى لصقوا ببرجها الشرقي ، فنقبوا وغلقوه ، فوافى نقبهم دواميس من عمل الروم تحت
المدينة يدخل بعضها الى بعض لا منفذ لها الى المدينة ، فتحيروا فتركوه ، وأقبل عبد
الرحمن بن سليم الكلبي ([202]) من بيروت ،
وكان والياً على جماعة ساحل دمشق ، بالخيول مغيثاً فوافى الذين على العقبة ،
فمنعوه من الإجازة ، وأقبل أهل حمص في ستة آلاف، عليهم الصقر بن صفوان ، حتى نزلوا
مرج السلسلة ، ووافى جماعة من الروم على عقبة السلسلة ، وخرجت طائفة من الروم إلى
كنيسة أطرابلس إلى خارج منها ، ليصلوا فيها ، فمروا بكنيسة اليهود ، فحرقوها ، فلما رأى ذلك الذي على عقبة
وجه الحجر من النار أقبلوا على أصحابهم ، وخلوا العقبة ، حتى اتوا أصحابهم ، وقد
أسروا أهل المدينة بطريقاً يناسب طاغيتهم فهو في أيديهم ، فأعظموا ذلك ، وبعث عبد
الرحمن الكلبي حين اجتاز العقبة سعيد الحرشي([203]) وكان
ديوانه يومئذ بدمشق إلى أهل أطرابلس يعلمهم مجيئهم ، فأشرف على نشز من الأرض ،
فرآه أهل المدينة ، فأومأ إليهم بفتح باب المدينة ، وشد على صف الروم فخرقه ، ودخل
المدينة ، فبشرهم بعبدالرحمن بن سليم ومن معه ، وبعث الروم إلى عبد الرحمن ألا
نجيزك إلى المدينة ، على ان ترد إلينا صاحبنا ، ونرحل عنك ، قال : ففعل ، على أن
لا يغيروا على شيء من أرض المسلمين في عامهم هذا ، فرحلوا ومضوا ([204]).
[65] وثنا ابن عائذ ، أنبأنا الوليد ، قال :
وأنبأنا غير واحد من مشيختنا : أن محمد بن مروان لم يزل والياً لعبد الملك على
الجزيرة وأرمينية ، يقاتل خوارج الجزيرة ، وأهل جبال أرمينية وخزر ومن يليهم من
تلك الأمم ، حتى توفي عبد الملك ، وولى ابنه الوليد بن عبد الملك الخلافة ، فدعا
إلى عزل محمد بن مروان والولاية إلى عمله من الجزيرة وأرمينية ، فلم يقدم عليه أحد
منهم ، فأجابه إلى ذلك مسلمة بن عبد الملك ، فسار إليها ، وغزا كل من كان بالباب
من الأتراك ، فحاصرهم ورماهم بالمنجنيق ، حتى فتحها الله ، فأخرج أهلها ، وثلم حائطها ([205]).
[ فتح حصن
الطوانة ]([206])
[66] محمد بن عائذ ، قال : وأخبرني الوليد ،
قال : وحدثني من أصدق حديثه من مشيخة قريش : أنه بلغه أن الوليد بن عبد الملك لما عزم على غزو الطوانة ،كاتب طاغية
الروم بكتب أمر صاحب أرمينية أن يكتب بها إليه ؛ مما اجتمعت به خزر من غزوة وقلة
من معه وكثرة من يتخوفه من خزر ومن تأشب إليهم من ملوك جبال أرمينية ومن فيها من
الأمم المخالفة للإسلام ، ففعل ذلك صاحب أرمينية ، وتابع كتبه ، وقطع الوليد البعث
على أهل الشام إلى أرمينية ، وأكثفه ، وجهزه ، وقواه ، واستعمل عليه مسلمة بن عبد
الملك ، وأعانه بالعباس بن الوليد([207]) ، حتى يبلغ
من جهازهم ما يريد ، ثم سيرهم إلى الجزيرة، ثم أعطفهم إلى أرض الروم ، ثم أمرهم
بالنزول على الطوانة .
قال : ونا الوليد ، قال : فأخبرني غير
واحد ممن أدرك تلك الغزاة : أن الشتاء أكب على مسلمة ومن معه من المسلمين ، حتى
نفق عامة الظهر ، وعرض لكثير منهم البطن ، وتهتكت الأبنية من الجليد والثلج ، فحفر
المسلمون لأنفسهم الأسراب ؛ يبيتون فيها ليلاً ، ويظهرون نهاراً ، حتى دعا ذلك أهل
الطوانة الكتاب إلى طاغيتهم ؛ يخبرونه بحالهم ، وأنهم ينتظرون مادة وميرة تأتيهم،
فإن كانت لك بنا حاجة فالآن ، قبل أن يأتيهم المدد والميرة . قالوا : وكادوا
المسلمين عند كتابهم ، والبعثة به ؛ بإخراج كلابهم ليلاً ، فأخرجوا منها عدة كثيرة
، وأخرجوا رجلين قد ألبسوهما جلود الكلاب بحيوان معهما ، حتى نفذ أو سقط كتاب
أحدهما ، وأتى به مسلمة ، ومضى رسولاهما إلى الطاغية ، فخرج معيناً لهم نحو من
مائة ألف ، بالعدد والقوة والحبال والجوامع وبالعجل تحمل الأسواق والطعام ، فبلغ
مسلمة فأحضر كل فارس بقي فرسه وولى عليهم العباس بن الوليد ، وأمره بمواجهتهم إذا
هم قدموا ، وثبت هو على دابته مع رجال العسكر وجماعتهم ، مما يلي باب الطوانة .
قال : وتقدم مقدمة الطاغية بحجرته ليضربوها ويعسكر بجنوده حولها ، فهم عباس بالشدة
على مقدمتهم ، فقال مسلمة : لا تفعل حتى يتّاموا ، فإذا انهزموا لم يكن لهم باقية
، ولا فئة تلجأ منهزمتهم إليها ، فقال العباس : تتركهم حتى تصير منهم ومن أهل
الطوانة كالجالس بين لحيي الأسد ، ثم بين عسكرين !! فحمل عليهم بمن معه من جنود
المسلمين وفرسانهم ، فقال مسلمة : اللهم إنه عصاني وأطاعك فانصره ، فمضى عباس ،
وهزمهم الله ، وولوا يقصف بعضهم بعضاً ، حتى دفعوا إلى طاغية الروم وجماعة من جمعه
، فثبت ، ولجأت إليهم المنهزمة ، فاقتتلوا قتالاً شديداً .
قال : أخبرني الوليد بن مسلم ، عن عبد
الله بن المبارك : أنه أخبره ، عن بعض مشايخ أهل الشام : أن عباساً لما استأخر عنه
النصر ، ورأى من ثبات الروم ما رأى ، قال : يا ابن محيريز ([208]) ، أين
الذين كانوا يلتمسون الشهادة ؟ نادهم يأتوك ، قال : يا أهل القرآن ، يا أهل القرآن
، فأتوه سراعاً ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزم الله الطاغية وجماعة من كان معه.
قال : ونا الوليد ، قال : فأخبرني شيخ من
الجند ، عن شيخ من آل مسلمة شهد ذلك
: أن العباس استأذن مسلمة أن يشد عليهم بجنده من أهل حمص ومن انتدب معه ، فكان من
هزيمتهم ما كان ، ومضى العباس في طلبهم ، حتى لقي الطاغية معه البطارقة وأبناء
ملوكهم ، وهو يسير في قباب الريحان ، يجرها العجل ، فشد عليهم ، فاقتتلوا قتالاً
شديداً ، وقتل جماعة من المسلمين ؛ منهم : أبو الأبيض العنسي ([209]) ، ثم إن
الله هزمهم ، وقتل منهم بضعة وثلاثين ألفاً وأسر أبناء الملوك والبطارقة ، فأقبل
بهم حتى أتى بهم مسلمة وجماعة المسلمين ، فأوقفوهم على أهل الطوانة بعد ذلك ، ففتّ
في أعضادهم ، وكان سبب فتحها ، لانسلاخ ثمان وثمانين . فبلغ سهام المسلمين مائة
دينار مائة.
قال : وأخبرني الوليد ، قال : فأخبرني من
شهد ذلك من المشيخة ، أو من أخبره من شهدها : أن الذين ثبتوا مع مسلمة لما أبطأ
عليهم خبر العباس جعلوا يلتفتون إلى ناحية الدرب ، فقال لهم مسلمة : ها هنا ارفعوا
إلى الله ، فمنه يأتي النصر والمدد ، قالوا : فانطلق عباس ومن معه من المسلمين
يقتلونهم ، حتى أدركوا جماعة ، وقد لجأت إلى كنيسة عظيمة ، فغلقت عليها بابها ،
وامتنعت ، وبات عباس عليها ومسلمة وأهل العسكر قد رأوا ما كان من هزيمتهم ، ولا
يدرون ما صنع العباس ومن معه ، فباتوا في هم من ذلك ، حتى أصبحوا ، ففتح الله على
العباس الكنيسة عنوة ، وقفل عباس بالخيول ، فلما رأى أهل الطوانة صنع الله ، وفتحه
للمسلمين ، بعث بطريقها إلى مسلمة قد رأينا فتح الله لكم ، ونحن نخيركم بين أن
تخلوا سبيلي وسبيل ثلاثمائة بطريق بأهالينا وأولادنا ، ونفتح لكم المدينة بمن فيها ، وبين أن نسايركم ، فإن عندنا من
الطعام والإدام ما يكفينا سنة ، وإلى سنة قد كانت لنا حال ، فأجابه إلى ذلك ،
وصالحه عليه ، وفتح له المدينة ، وخلا سبيله وسبيل بطارقته ثلاثمائة ، ووجد فيها
ستين ألف نفس بين صغير وكبير .
قال الوليد : وقدم رباح الغساني بالمدد
والميرة ، وقد فتح الله على المسلمين([210]).
[67] ابن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم :
لما تأخر من تعجيل الوليد ابن عبد الملك بالمدد والميرة عليهم ، يعني جيشه الذي
بعثه مع مسلمة لفتح الطوانة حتى أباح عليهم النساء ؛ فإنه قطع .. وجهز خيلاً
وإبلاً بغالاً وحميراً بالميرة وولى على الدخول به أحد بني شريك قرة من أهل قنسرين
، فسار حتى بلغ ما منعه من المضي من الثلج ، فكتب إلى الوليد يخبره بذلك ، وأن
الدرب قد انغلق فلم يجد فيه منفذاً ، فعزله الوليد ، واستعمل رياح الغساني ، وأمره
أن يلبس الثلج بالجواميس والبقر طالي فيها حتى يأتيهم [كذا] ، أو يهلك فمضى ثم فعل ذلك ([211]) .
[68] قال محمد بن عائذ : أخبرنا الوليد بن
مسلم ، حدثني إسماعيل بن عياش : أن رجلاً من الجيش أتى أبا الأبيض العبسي بدابق
قبل نزولهم على الطوانة ، فقال رأيت في يدك قناة فيها سنان يضئ لأهل العسكر كضوء
كوكب، فقال : إن صدقت رؤياك إنها للشهادة ، قال : فاستشهد في قتال أهل الطوانة
. قال ابن عائذ : فحدثني محمد بن
يحيى الثقفي : أن أبا الأبيض قال هذه الأبيات :
ألا ليت
شعري هل يقولن قائل وقد
حان منهم عند ذاك قفول
تركنا ولم
نُجْنِنْ من الطير لحمَه
أبا الأبيض العبسي وهو قتيل
فَعُرِّيَ
أفراسي ورنَّت حليلتي كأن لم تكن بالأمس
ذاتَ حليل
وذي أمل يرجو
تراثي وإنَّ ما يصير له منه
غدا لقليل
وما لي تراث
غيرُ درع حصينة
وأجردُ من ماء الحديد صقيل
وقيل : إن أبا الأبيض
خرج مع العباس بن الوليد في الصائفة ، فقال أبو الأبيض : رأيت كأني أتيت بتمر وزبد
فأكلته ، ثم دخلت الجنة ، فقال العباس : نعجل لك الزبد والتمر ، والله لك بالجنة ،
فدعا له بتمر وزبد ، ثم لقي أبو الأبيض العدو ، فقاتل حتى قتل . قال الليث : وفي
سنة ثمان وثمانين غزا مسلمة وعباس بن أمير المؤمنين طوانة .
قال الوليد بن مسلم : حدثني من أصدق : أن الوليد لما عزم على غزو الطوانة ،
فذكر القصة قال : وقُتل أبو الأبيض العبسي ([212]).
[69] وفي سنة تسعين غزا العباس بن الوليد
الصائفة . وفي سنة إحدى وتسعين غزا الصائفة العباس ، وأصاب للروم سرحاً وعلاقة .
وفي سنة اثنتين وتسعين غزا العباس الصائفة . وفي سنة ثلاث وتسعين غزا العباس بن
الوليد الصائفة اليسرى ، وغزا مروان بن الوليد([213]) الصائفة
الأخرى . وفي سنة أربع وتسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة اليسرى ؛ فافتتح هرقلة
. وفي سنة خمس وتسعين غزا العباس الصائفة فافتتح حصوناً ([214]) .
[70] محمد
بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم : وفي سنة اثنتين وتسعين افتتح عثمان بن حيان ([215]) سطبة وما
يليها من الحصون ([216]) .
[71] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وفي
سنة أربع وتسعين غزا العباس بن الوليد الصائفة اليسرى ، وعمر بن الوليد([217]) الصائفة
اليمنى ، ولم يكن لأهل الجزيرة ذلك العام غزوة ([218]).
[72] ابن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال :
بلغني أن أول غازية البحر من المسلمين من الموالي موسى بن نصير ([219]) ، فوليه
غزوات في خلافة معاوية ، قال : ثم ولَّى عبد الملك بن مروان ابنَ كيسان ؛ مولى
جذام ، وكان منزله عكا، وبها عقبه ، قالوا : فلما ولي الوليد بن عبد الملك ولَّى
غازية البحر ثلاثة نفر من الموالي ؛ سحيم بن المهاجر ([220]) ، وأبا
خراسان([221]) ، وسفيان
الفارسي([222]) ، قالوا :
فلما ولي سليمان بن عبد الملك ولَّى حظي بن أبي كثير الجذامي ؛ مولاهم ، من أهل
حرستا ([223]).
[73] قال محمد بن عائذ : حدثنا الوليد ، قال : حدثني الليث بن تميم
الفارسي أن سفن المسلمين كانت متفرقة في ساحل الشام ، فكانت طائفة منها باللاذقية
بساحل حمص ، وعليها سفيان الفارسي ، وطائفة منها بأطرابلس ساحل دمشق ، أو قال
ببيروت ، وعليها أخي أبو خراسان الفارسي ، وكان أيَّما رجل في كماله وبأسه ، قال
سليمان بن أبي كريمة : ما رأيت مثله من رجال فارس ، فلم يزل الأمر كذلك حتى ولي
الأمر عمر بن هبيرة ، فعزل سفيانُ الفارسي أبا خراسان وصاحبَ عكا عما كانوا يلون
من ذلك ، حملهم معه في مركبه لئلا يكون لهم الذكر دونه ، وولى عليها رجالا
غيرهم .
قال الوليد : وأخبرني الليث أن ولاة
غازية البحر في زمان الوليد بن عبد الملك ؛ سحيم ، وأبو خراسان ، وسفيان ، فكان سفيان
الفارسي على سفن حمص بمدينة اللاذقية ، وأبو خراسان على سفن دمشق بمدينة طرابلس ،
وسفن الأردن وفلسطين بعكا ، فلما ولي سليمان بن عبد الملك ولَّى على جماعة سفن
المسلمين من أهل الشام ومصر وإفريقية ألف سفينة عمرَ بن هبيرة الفزاري ، فعزل عمرُ
بن هبيرة هؤلاء النفر عن ولايتهم ، وولى على ذلك غيرَهم من رجال العرب ([224]).
[74] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم
: ولما بويع الوليد غزا مسلمة الصائفة ، فافتتح حصن قونس ؛ سنة ست وثمانين . وفي سنة
سبع وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة بمواليه ، فأخبرني الوليد ، حدثني شيخ
من أهل الجند ، عن مَنْ شهد الطوانة من آل مسلمة ، أن مسلمة كان على جماعة الناس
سنة ثمان وثمانين . وفي سنة تسع وثمانين خرج مسلمة الصائفة شهرين([225]). وفي سنة
اثنتين وتسعين غزا مسلمة من قبل الجزيرة ففتح ملامسة وبرجمة([226]) والحديد .
وفي سنة ثلاث وتسعين خرج مسلمة من قبل الجزيرة .
قال الوليد : وبويع لسليمان ، وفي ذلك
العام غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة فافتتح هرقلة وطميم وحصونا ثلاثة معها . وفي
سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر ، وغزا ابن هبيرة في البحر ، وفتح مسلمة برجمة
وسردة وحصوناً ثلاثة معها .
قال الوليد : فحدثني بعض المشيخة : أن
سليمان بن عبد الملك في سنة ثمان وتسعين نزل بدابق ، وكان مسلمة على حصار
القسطنطينية ([227]) .
[75] ابن عائذ ، قال : فحدثنا الوليد بن مسلم
، قال : فحدثني بعض المشيخة أن سليمان بن عبد الملك في سنة ثمان وتسعين نزل بدابق
، وأغزا على صائفة الجزيرة عبد الله بن عمر بن الوليد ، وداود بن سليمان ، فافتتح
حصن المرأة ، وحصن الأحرب ، وكان مسلمة على حصار القسطنطينية في ذلك العام([228]).
[ غزو القسطنطينية في عهد سليمان ]
[76] محمد
بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال :
فحدثني بعض شيوخنا : أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطال على عشرة آلاف من
المسلمين فجعلهم سيارة فيما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم ومن
يتخوفون اعتراضه في سير المسلمين وعلاقاتهم ، ويخرج المسلمون يتعلفون فيما بينهم
وبين العسكر ، فيصيبون ويخطئون ، فيأمن بهم العسكر وتلك العلافات ([229]).
[77] ابن عائذ ، نا الوليد ، قال : وأخبرني
غير واحد ، قالوا : لما قطع مسلمة ([230]) الدربَ ،
وأفضى إلى ضواحي أرض الروم ، أتاه كتاب ليون بن قسطنطين - وهو عامل لصاحب
القسطنطينية على الضواحي - إلى مسلمة يعلمه ولاية من يلي ، وأنه إن أعطاه ما يسأله
قدم عليه فناصحه وقواه على فتحها ، فقرأ مسلمة كتاب إليون على الأمراء وأهل مشورته
، فاجتمع رأيهم جميعاً على إجابته إلى ما سأل ، وسكت مسلمة بن حبيب بن مسلمة ([231]) - وهو أمير جند دمشق - فقال مسلمة
بن عبد الملك : أيها الشيخ مالكَ لا تتكلم؟ فقال : إن رسول الله r ذكر الروم ، فقال :
أصحاب صحر ونحر ومكر ، وهذه إحدى مكرهم ، فلا تعطه إلا السيف ، فتضاحك به أمراء
الأجناد ، وقالوا : كبر الشيخ ، وقالوا : ما عسى أن يكون عند ليون مع هذه الجموع
؟! فكتب إليه مسلمة بأمانه على ما سأل ، فقدم في اثني عشر ألفاً من أساورته ،
فكاتبه على مناصحته ومظاهرته على الروم ، ودلالته على ما فيه سبب فتح القسطنطينية
، على بطرقته وتمليكه على جماعة الروم الذين يؤدون الجزية ؛ كبطريق جرزان ([232]) ، وأرمينية
، فكاتبه على ذلك وأشهد عليه ، وذكر الحديث في خديعة ليون مسلمةَ ، حتى جمع غلال
ما حول القسطنطينية وإشارته عليه بالخروج إلى بعض الوجوه ، ومكاتبة ليون الروم
ليملكوه عليهم ويخلي بينهم وبين حمل الغلال ، حتى كان ذلك سبب رحيل مسلمة عن
القسطنطينية ([233]).
[78] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال
: وفي سنة سبع وتسعين غزا مسلمة في البر وغزا ابن هبيرة في البحر. قال الوليد :
حدثني الليث السامي، قال : غزونا القسطنطينية مع مسلمة سنة سبع وتسعين ، وعلى
جماعة الناس مسلمة بن عبدالملك ، وعلى أهل البحر عمر بن هبيرة الفزاري([234]) ، فكنت
فيمن غزا مع عمر ، فلما هبطنا على المسلمين صفوا لقتال أهل القسطنطينية صفين ،لم
أر صفين قطُّ أطولَ منهما ([235])
[79] ابن عائذ ، حدثنا الوليد ، قال : قال
الليث : كنت ممن غزا على اسمه وعطائه بفيء عمر بن هبيرة ، إذ ولاه سليمان غازية
البحر ، رافقت أخي أبا خراسان في مركب ، فسار بنا عمر حتى مررنا بأهل مصر ،
فتبعونا ومضينا حتى أتينا أطرابلس أفريقية ، وعلونا أرض الروم حتى إذا حاذتنا
القسطنطينية سرنا في بحر الشام حتى دفعنا إلى خليج القسطنطينية ، فخرجنا في الخليج
على باب القسطنطينية ، لنجيز إلى مسلمة ومن معه من المسلمين ، وصف مسلمة من معه من
المسلمين صفاً لم أر قط أطول منه ، مع الكراديس([236]) الكثيرة ،
وجلس ليون طاغية الروم على برج باب القسطنطينية وبروجها ، ويصف منهم رجاله فيما
بين الحائط والبحر صفاً طويلاً بحذاء صف المسلمين ، وأظهرنا السلاح في ألف مركب ؛
بين محرقات وقوادس ، فيها الخزائن من كسوة مصر وما فيها مما إليه ، والمعينات ([237]) فيها
المقاتلة ، قال الليث : فما رأيت يوماً قط كان أعجب منه ، لما ظهر من عدونا في
البر والبحر ، وما أظهرنا من السلاح ، وما أظهر طاغية الروم على حائط القسطنطينية
، وصفهم ذلك والعدة ، ونصبوا المجانيق والعرادات ، فتكبر المسلمون في البر والبحر
، ويظهر الروم قبلها قريا السين [كذا] لكعّ ابن هبيرة وجماعة من معه من السفن عن
الإقدام على باب المينا ، لما هابته على أنفسها ، فلما رأت ذلك الروم ، خرج إلينا
من باب مينائهم معينات ، أو قال محرقات ، فمضى مركب منها إلى أدنى من يليه من مراكب
المسلمين ، فألقى عليه الكلاليب بالسلاسل فاجتره حتى أدخله بأهله القسطنطينية ،
فأسقط ذلك في أيدينا ، وخرجوا إلى مركب ليفعلوا ذلك به ، فجعل ابن هبيرة يتجسر ،
ويقول : ألا رجل ! فقام إليه أبو خراسان فقال : هذا أنا رجل ، ولكنك صيرتني في
المركب معك لبعض من لا غنى عنده ، فقال له ابن هبيرة : فمر بما ترى ومر بما تحب ،
فأشار إلى مركب من الفرس يعرفهم بالشدة والبأس ، فقال : ابعثني في قارب أنا وأخي ،
ومرهم بطاعتي ، ففعل ، فأمر أبو خراسان لنوتي المركب أن يوجهه إلى ذلك المركب الذي
ذهب بالمسلمين ، فكع عنه النوتي ، فأشار إليه أبو خراسان بالسيف ، فمضى به حتى
ألصق المركب بمركبهم ، ثم سار أبو خراسان حتى أوثقهما بسلسلة ، لئلا يفر أحدهما عن
صاحبه ، قال : فاجتلدنا بأسيافنا فيما بين السفينتين ، فرزقنا الله الظفر ، فدخلنا
سفينتهم ، ووضعنا السيف فيهم ، فانتهينا إلى قومس السفينة الذي فعل ما فعل ، وقد
ألقى بيضته ، وجثا على ركبتيه شيخ أصلع فضربه صاحب لنا ضربه لم تغن شيئا ، وتقدم
إليه أبو خراسان فضربه ضربة شق منها هامته حتى نظرت إلى السيف قد أجاز إلى الذقن ،
إلى الحنجرة وما يليها، واستسلم من بقي منهم فقدناها إلى من يلينا من المسلمين ، ورجعنا
إلى من كان منهم ، فدخلوا الميناء ، ووقف أبو خراسان موقفاً حسناً يأمن به من فر
منا إلى مسلمة ومن يليه ، حتى مروا من آخرهم لم يصب منهم إلا ذلك المركب الأول،
حتى انتهينا إلى مسلمة ومن معه ، فأخذناهم إلى الخليج إلى السقع الذي على باب
القسطنطينية ، والبحر أو قال الخليج محيط بها إلا مما يلي برها ، فعسكر عليه مسلمة
، وكنا في سفننا مرسيين على ساحلها مما يلي العسكر ؛ يخرج من سفننا عمر بن هبيرة
وغيره إلى مسلمة ومن أردنا من أهل العسكر ، ويأتينا أهل العسكر فيدخلون علينا في
سفننا ([238]).
[80] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال : فحدثنا
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : أن مسلمة أرسل البطال([239]) ، وأبا
زرعة اللخمي ، وسمى ابن جابر آخر ، إلى ليون - يعني المتملك على الروم - أين ما
كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها ؟ فأذن لهم ، فدخلوا عليه ،
فعرفهم ، فقال : لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن ، وقد
رأيت أن أفي له بما يستقيم ؛ أصنع له طعاماً وحماماً ، فيدخل هو ومن أحب من أصحابه
الحمام ، ويصيب الطعام ، ثم ينصرف راشداً ، فقال : إن هذا لغير كائن ، وإنا لنقول
: إن الله قد أحاط بكم ، ولسنا نبرح دون صغار الجزية ، أو يدخلناها الله عنوة ،
فقال : إن دون ذلك لصغاراً وقتالاً شديداً ، وكم عسى أن تصبروا ؟ فقالوا : نصبر ،
ولا بد لطعامك الذي عددت فيه أن يعفن ، فقال : أو ما ترى كيف دبرته ؟ لم أدخله
بيتاً ولا هُرِّياً مخافة عليه ، فأما هذه السنة فنطحن ما طحنا ونأكل ما أكلنا
ويفسد منه ما فسد ، وإذا كان قابل أمرت به فطحن من آخره، أكلنا منه ما أكلنا ويفسد
منه ما فسد ، فإذا كان العام الثالث أمرنا فخبز خبز القرابين فأكلناه حتى نأتي على
آخره ، فهذا إلى ثلاث سنين ما قد كان أمر يحول بينكم وبين ما تريدون ، ودعا بغدائه
، فغداهم من كل الألوان ، وآتاهم من
كل الطرائف ، ثم أقبل عليهم ، ثم قال : نحن فيما تقولون من الحصار والأزْل([240]) نأكل مما
ترون ، فادعوا بما شئتم وتشهوا علينا، فقال البطال : أمر يسير عليك خفيف مؤنته ؛
تدعو لنا به ، قال : ما هو ؟ قال : كفاً من تراب من خلف الخندق ، فقطب ، وغضب ، وأمر بهم فخرجوا ، وأتوا مسلمة
بمقالته([241]).
[81] محمد بن عائذ ، ثنا الوليد ، قال :
فحدثني أبو سعيد مولى محمد بن عمر المعيطي : أن مسلمة كان يقوت المسلمين من ذلك الطعام ، وأنه سأل
أناساً من جلسائه عن حال العامة في مطعمهم ، فأخبروه أن الناس في شدة من عيشهم ؛
يقوتون أنفسهم بخزيرة ([242]) ، يكللون أنفسهم بها نهارهم وليلهم ، فقال
: وما الخزيرة ؟ يا غلام ، اصنع لنا
خزيرة ، فصنعها بقديد و…وتابك [كذا] وهيأ منها ، وقدمها إليه ، فأكل واستطابها ،
وقال : إن الناس بعد لفي خير وعافية ، الصبر بركة ، قال أبو سعيد : وقد جهد الناس عامة ، وإنما يأكل الخزيرة منهم
أهل القوة ، وبقيتهم فيما لا يصفه واصف من أكل توافق الدواب، وأشباه ذلك ، حتى لقد
ذكر له أن قوماً أكلوا ميتاً لهم ([243]).
[82] ابن عائذ ، قال : فحدثني شيخ من موالي
ابن هبيرة ، عن عمر بن هبيرة ، قال : كنا قد بلغنا من حصارهم ما بلغنا ، وكان بنا
من الأزل والمرض نحواً مما بهم وأشد ، وكنت نازلاً بجماعة سفن على ساحلهم مما يلي
عسكر المسلمين في مركبي فيه مبيتي ، إلا أن أركب إلى مسلمة فأشهد أموره ، فإذا لم
أركب خرجت في برد النهار إلى مجلس على تل مشرف على مراكبي وعلى عسكر المسلمين ،
ويخرج إلي أمراء أجنادي وأهل الهيئة منهم ، فكان ذلك التل من تلك الساعات لنا
مجلساً ومتحدثاً ، فبينا أنا ذات غداة ، أو قال عشية جالس عليه في جماعة ، إذ
بقارب قد خرج من بابه [كذا] ميناء القسطنطينية ، يقصد إلينا ، فيه رجال من الروم ،
عليهم الديباج ، قال ، فقلت : رسولُ الطاغية إليّ في أمر يكلمني به ، فإن أتانا في
مجلسنا أشرف على رثاثة سفننا وسوء حالنا سره ذلك وازداد قوة علينا ، فقمت إلى
مركبي فجلست مجلسي فيه وجلس معي أمراء أجنادي وأهل الهيئة من الناس ، وأمرت أهل
السفن أن يواروا ما قدروا عليه من سوء حالهم ، فلما دنوا نادونا بالأمان ، فجعلته
لهم ، فأقبل رسول الطاغية في أصحابه في هيئة ، وتملك في أنفسهم ، حتى صعد إلي
، فسلم ، وأذنت له فجلس ، وجلسوا ،
ثم أنشأ يقول : إنا بعثنا لأمر فنذكره لكم ، ورأيت منكم شيئاً عرفت به سوء حالكم ،
وإنك أردت بقيامك عن التل ومجلسك الذي كنت فيه إلا آتيك فيه فأشرف على رثاثة سفنكم
وسوء حالكم، ثم تهيأت لي بما أرى ، مما ليس خلفه قوة ، وقد صرتم من حالكم إلى أسوأ
مما نحن فيه . إن الملك يقرأ عليك السلام ، ويقول : إنه قد كان من نزولكم علينا
وإقامتكم إلى هذا اليوم ما قد علمتم ، وقد بلغ منا ومنكم وما أنتم فيه أشد ، وقد
عرضت على مسلمة فدية صلح ؛ على كل إنسان بالقسطنطينية ، من رجل، وامرأة ، وصبي ،
ديناراً ديناراً ، على أن ترحلوا عنا إلى بلادكم ، فإن شئتم اقتسمتم هذه الدنانير
بينكم مغنماً ، وإن شئتم ذهبتم بها إلى خليفتكم ، فأدخله بيت ماله ، فصنع ما أراد
، فسخط ذلك مسلمة ، وتأبى علينا ، وزعم أن لا يبرح دون أن نؤدي الجزية عن صغار ،
أو يدخله عنوة ، والصغار – الجزية – مالا تطيب به
أنفسنا أبداً ، وأنت من خليفتك ، ومن مسلمة ، ومن علية العرب ، بالمنزلة التي أنت
بها ؛ في الشرف ، والأمانة ، فانظر فيما عرضته على مسلمة ، فإن رأيته رأياً أشرت
به عليه ، ورددته إليه ، قال عمر بن هبيرة : أصاب مسلمة ، وذلك ما أمرنا الله به ،
ولا أخالفه فيه ، وأنا عونه عليه ، حتى يحكم الله بيننا وبينكم ، قال : فصلَّب على
وجهه ، وانصرف مغضباً إلى أصحابه([244]).
[83] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال : فحدثني
أبو سعيد المعيطي، والليث - يعني ابن تميم الفارسي - : أن أليون لما رأى ما قد
لزمه من حصارنا وأشفق منا الغلبة ، كتب إلى صاحب برجان ([245]) ، " أما بعد : فقد بلغك نزول العرب
بنا ، وحصارهم إيانا ، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم ،
وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب ، والأدنى فالأدنى ، فما كنت صانعاً يوم تأتيهم
الجزية ، أو يدخلوا علينا عنوة ، ثم يفضون إليك وإلى غيرك ، فاصنعه يوم يأتيك
كتابي هذا " . فكتب صاحب برجان إلى مسلمة ، " أما بعد : فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم ، وبيننا
وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكلما وصل إليهم فهو لنا سار ، فمهما احتجت إليه
من مدد أو عدة أو مرفق فأعلمناه ، يأتيك منا ما أحببت " . فكتب إليه مسلمة : " أنه لاحاجة لنا
بمدد ولا عدة ، ولكنا نحتاج إلى الميرة والسوق ، فابعث إلينا ما استطعت " .
فكتب إليه صاحب برجان : "إني
قد توجهت إليك سوقاً عظيماً فيه من كل ما أحببت من باعة ، يضعفون عن النفوذ إليكم
به ممن يمرون به من حصون الروم ، فابعث من يجوزه إليك " . قال : فوجه إليهم خيلاً عظيمة ، وولى
عليهم رجلاً ، ونادى في العسكر ؛ ألا من أراد البيع والشري فليخرج مع فلان ، حتى
يلقوا هذا السوق ، قال : فخرجنا بشراً عظيمة ، يتبع بعضنا بعضاً ، على غير حذر ولا
خوف من عدو ، حتى أفضوا إلى عسكر السوق ، في مرج واسع ، حتى أضاقت به الجبال ،
وكتائب برجان في شعاب تلك الجبال وغياضه ، فلما أنزل والي الجيش بعسكره ، وانتشر
الناس في السوق ، وشغلهم البيع والشراء ، شدت عليهم كتائب ، فقتلوا ما شاءوا
وأسروا ما شاءوا ، إلا من أعجزهم ، ثم وَأَلَتْ برجان إلى بلادهم ، وبلغ مسلمة ومن
معه ، فأعظمهم ذلك ، وكتب به مسلمة إلى سليمان بن عبدالملك يخبره بما كان ، فقطع
بعثاً على أهل الشام إلى برجان كثيفاً ، وولى عليهم شراحيل بن عبيدة ([246]) ، فسار بهم
حتى أجاز الخليج ، ثم مضى إلى بلاد برجان فساح في بلادها ، وأنفى ، ولقوه فقاتلوه
، فهزمهم الله ، ثم قفل إلى مسلمة وكان عنده ([247]).
[84] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم
: فذاكرت هذا الحديث؛ يعني حديث غزو
القسطنطينية بعض مشيختنا ، وأنكر أن يكون سليمان قطع بعثاً سوى البعث الأول ، ولا
وجّه من عنده أحداً ، ولكن مسلمة لما جاءه صاحب برجان يعلمه ما بعث به إليه من
السوق ، فبعث بعثاً وولى عليهم عبيدة بن قيس([248]) ، وابنه
شراحيل بن عبيدة ، فولي عند ذلك عبيدة بن قيس على أهل دمشق ، وولى شراحيل بن عبيدة
على أهل الجزيرة ، ومضى حتى إذا دفع إلى أرض برجان ، لقوه بعدة الحرب من الرجال
والسلاح والعجل فيها الرجال تجر تلك العجل البراذين ، فلما رأى ذلك عبيدة ، قال
لأصحابه : اكسروا أغماد سيوفكم ، ثم
امشوا إليهم حتى ترموهم بها ، ثم اضربوا أعناق براذين العجل ، ففعلوا ، واقتتلوا
قتالاً شديداً ، ثم إن مسلمة لما وجههم أشفق أن يكون قد خدع عنه ، فوجه إليه رجلاً
من موالي بني عامر ، في خمسمائة فارس من فرسانه حتى انتهى إلى عبيدة ، وقد أمره
مسلمة أن يرده حيث أدركه، فوجده يقاتل القوم ، ووجد شراحيل بن عبيدة قد قتل ، ووجد
عنده قواد الأجناد ، وهو يقول لهم قوموا فاكفوا ما كان شراحيل يكفيه ، فلما رآه
قال : قوموا عني فقد أتاني رسول الأمير ، فقاموا عنه ، فقال : إن الأمير ظن أنه قد
خدع عنا ، وفي كم وجهك ؟ قال : في خمسة آلاف ، ثم أخبره أنه إنما وجهه في خمسمائة
، ومضى عبيدة حتى واقف العدو ، وهيأ كراديسه ، ثم حضر رسول مسلمة يوصيهم من أدناهم
إلى أقصاهم حتى كان من آخرهم أهل فلسطين . وصاحب برجان في سلاحه على برذونه مخفف ،
فقال له حصين : أتقف لي ، أو أقف لك ، فأومأ إليه العلج ، فخيره ، فاختار حصين أن
يقف له العلج ، ويتحين موضعاً يطعنه فيه ، فلم ير أن موضعاً أفضل من نحر برذونه ،
لما على العلج من السلاح ، فشدّ حصين على العلج فطعن نحر البرذون ، فاستدار بالعلج
فصرعه ، فطرح حصين نفسه على العلج فقتله ، واحتز رأسه ، وخرج بسلبه إلى عبيدة ،
وانحاز القوم عنهم ، وضرب الله وجوههم
، ودفع حصين إلى عبيدة كتاب مسلمة يأمره بالانصراف ، فكره عبيدة أن ينصرف عنهم وقد
هزمهم الله ، فأراد المضي ، فأبيت عليه ، قلت : مُر الناس بالانصراف بجميع العسكر
، وقد فتح الله ، حتى إذا كان بمرج خصيب من أرض برجان نزل ، ونزل الناس في ذلك
الحشيش طبخ بعضهم طبيخاً ، فهاجت عليهم ريح شديدة في ذلك الحشيش ، فأقبل العدو يمر
الحصون على دوابهم ، حتى إذا كانوا عند طرف العسكر أرسلوا ناراً في ذلك الحشيش ،
فأقبلت النار حتى إذا كانت عند طرف العسكر قطعها الله وأخمدها ، والعدو ينظرون ،
فلما رأوا ذلك انكشفوا([249]).
[85] قال محمد بن عائذ : قال الوليد : وقد كنت
سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يذكر : أن نفراً من أهل دمشق كان يسميهم بأسمائهم
، فيهم رجل كنيته أبو كَرِب ، كان أصاب دماً بالعراق ، فاستفتى جماعة من الفقهاء ،
فاجتمع قولهم : أنهم لا يعرفون وجهاً إذا لم يعرف ولي الدم إلا إن يجاهد في سبيل
الله حتى يقتل . فلم تزل تلك حاله ؛ يغزو ، ويطلب القتل في الله ، حتى خرج هؤلاء
النفر وساروا ، حتى إذا كانوا في بعض طريقهم ، خرج خارج منهم ليأتي بعنب ، فإذا بقبة ذهب ، عليها جلال أخضر
حرير ، وإذا فيها حوراء ، كان يخبر عما رأى من حسنها ، فقالت : إلي ، فأنا زوجتك ،
وأنت قادم علينا يوم كذا ، ومعك فلان وفلان ، وسمت أولئك النفر ، فانصرف الرجل ،
ولم يأت بعنب ، وأخبرهم بما رأى ،
فكتب وصيته ، وكتبوا ، وكان مع شراحيل بن عبيدة وأصحابه ، فكان من مصيبتهم ما كان
، ثم أمر بانصراف الناس الى المرج الذي رجعت إليهم فيه برجان ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقتل هؤلاء
النفر جميعاً ، فيهم أبو كرب ، وأرسلت برجان النار على ذلك المرج وعلى قتلى
المسلمين ، فحرقت ما حرقت ، وانتهت إلى أبي كرب وأصحابه فأطافت بهم ، ولم تأكل النار
منهم أحداً ([250]).
[86] ابن عائذ ، قال: قال الوليد : فحدثني عبد
الرحمن بن يزيد بن جابر، قال : فلم
يزل سليمان بن عبد الملك معسكراً بدابق ، ولا يريد القفول دون أن يفتح يعني
القسطنطينية ، أو تؤدى الجزية ،
فشتا بدابق شتاء بعد شتاء ، إذ ركب ذات عشية من يوم جمعة ، فمر بالتل الذي يقال -
قال الشيخ : رأيت في نسخة غيري يقال له - تل سليمان اليوم ، فالتفت ، فإذا بقبر
ندي ، فقال : من صاحب هذا القبر ؟ قالوا قبر ابن مسافع القرشي المكي ، فقال : يا
ويحه ! لقد أمسى قبره بدار غربة
. قال ابن جابر: ويمرض ،
ويموت ، ويدفن إلى جانب قبر عبد الله بن مسافع ؛ الجهة التي تليه أو الثانية ([251]).
[87] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال : فحدثني
شيخ من الجند ، قال : كنت فيمن حاصر القسطنطينية ، فبلغنا من حصارها ، وبلغ منا
الجوع نحوا مما سمعتم ، فوالله إنا لفي يأس من القفل إذا بمرقبة ([252]) لأهل
القسطنطينية على جبل ممتنع قد أوقدوا عليها ، فيشرف لذلك أهل القسطنطينية ، وراعهم
فصالنا عما رأينا من تلك النار ، وعما راعهم من ذلك ، فقالوا : هذه مرقبة توقد النار للجيش يدخل من الشام ، فيوقد
لها مما يلي الدرب من المراقب والمسالح إلى أن يصل القتال .. الخبر فيأتينا بذلك ،
ولا يشذ أن جيشاً قد أقبل منكم ، فانظروا ماذا يأتيكم به ، قال : فلم يلبث إلا
أياماً يسيره حتى جاءنا رسول عمر بن عبد العزيز في نحو من أربعة آلاف ، بكتاب إلى
مسلمة يأمره بالقفول ، فقرأه مسلمة فلم يقفل ، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز يخبره ما قد بلغ من جهدهم ، وما
أشرف من معشر المسلمين من الفرج ، بما قد قرب من حصاد ذلك الزرع ، ويشير عليه
بتركهم حتى يحكم الله بينهم ، قال : فقفل رسوله بذلك إلى عمر بن عبد العزيز ، فغضب
، وقال : مسلمة في إمرة عظيمة يكره فراقها ، ورد الرسول يأمره بالقفل ([253]).
[88] ابن عايذ ، نا الوليد ، قال : حدثني من
سمع زيد بن واقد ([254]) ، قال :
والله إني لفي فسطاطي يوم أتانا القفل ، يعني عن القسطنطينية ، لما أقفلهم عمر بن عبد العزيز ، قد بلغ مني
الجوع جهدي ، أروي ما استعنت به ، فلم أر شيئاً أقرب إلي جلدة الفسطاط التي تكون
على فلكة عمود الفسطاط ، قلت : أنزعها ، وأطبخها ، وألوكها ، يكون في ذلك ما كان ،
ويقوم الفسطاط بغير جلدة ، إذ سمعت تكبير الناس ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : القفل ، فإن الله يعلم أن ذلك الجوع ذهب
مني ([255]).
[89] ابن عائذ ، قال : قال الوليد : فحدثني
شيخ من الجند ، عن أبيه ، ولا أعلم إلا أني قد سمعت أباه يذكر أنه حضر عمر بن عبد
العزيز بدابق ، حين استخلف وقطع البعث ، ما جهز من العير، لا يظهر للناس أنه أمر بقفلهم ، ولكنه
إنما وجه معاوية .. على الإقامة يعني لحبس مسلمة ([256]).
[90] ابن عائذ ، أنا الوليد ، قال : وبويع عمر
بن عبدالعزيز في سنة تسع وتسعين ، فبعث عمرو بن قيس السكوني ([257]) على صائفة
أهل الشام ، معه ما حمل إلى القسطنطينية من الطعام والكسوة ، فلقيهم بادرلنه [كذا]
، فأعطاهم فيها العطاء ([258]).
[91] ابن عائذ ، نا الوليد ، أخبرني الليث
الفارسي ، قال :لم يزل - يعني عمر بن هبيرة - على غازية البحر ، فقفل بهم ، يعني
من القسطنطينية ، فعزله عمر بن عبد العزيز ، وجمع سفن الأجناد بصور ، وجعل الوالي
عليها واحداً ، قال : فبلغني أن عمر بن عبد العزيز ولى على غازية البحر المخارق بن
ميسرة بن حجر الطائي ، فلم يزل والياً حتى توفي ([259]).
[92] محمد بن عائذ ، أخبرني إسماعيل بن عياش ،
عن ابن أنعم ([260]) ، عن
المغيرة بن سلمة ([261]) ، عن عبد
الأعلى بن أبي عمرة ([262]) ، قال :
لما بعثني عمر بن عبد العزيز لفداء أسراء القسطنطينية ، قلت : أرأيت إن أبوا أن
يفدوا الرجل بالرجل ، كيف أصنع ؟ قال : رِدهم ، قلت : أرأيت إن أبوا أن يفدوا
الرجل بالاثنين للرجل، قال : فأعطهم ثلاثة ، قلت : فإن إبوا إلا أربعة ، قال :
فأعطهم بكل مسلم ما سألوا ، فوالله للرجل من المسلمين أحب إلي من كل مشرك عندي ،
إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت ، إنك إنما تشتري الإسلام، قال : فقلت له : أرأيت
إن وجدت رجالاً قد تنصروا فأرادوا أن يرجعوا إلى الإسلام ، أفديهم ؟ قال : نعم
بمثل ما يفدى به غيرهم ، قال : فقلت له : أرأيت العبيد ، أفديهم إذا كانوا مسلمين
؟ قال : نعم بمثل ما يفدى به غيرهم ، قال : قلت : أرأيت إن وجدت منهم من قد تنصر
فأراد أن يرجع إلى الإسلام ، قال : أصنع بهم مثل ما تصنع مع غيرهم ، قال : فصالحت
عظيم الروم على رجل من المسلمين برجلين من الروم ([263]).
[93] ابن عائذ ، أنا الوليد ، قال : وفي سنة
مائة أغزى عمر بن عبدالعزيز الصائفة ، لليمنى الوليد بن هشام ، وعلى الصائفة
اليسرى عمرو بن قيس السكوني([264]).
[94]ابن
عائذ ، عن الوليد ، قال : وأخبرني عبد الأعلى أن عمرو بن قيس أخبره أن عمر بن عبد العزيز ولاه إحدى
الصائفتين ، والوليد بن هشام الصائفة الأخرى ([265]).
[95] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال محبر ،
نا سعيد بن عبدالعزيز : أن عمر بن عبدالعزيز أغزى أرض الروم صائفتين ؛ على إحداهما
الوليد بن هشام المعيطي([266]) ، والأخرى
عمرو بن قيس السكوني ، في أقل من أربعين ألفاً ، نظراً منه بجماعة من كان أصابه
الأزْل على حصار قسطنطينية ، قال : فخرج إليهم لأوون طاغية الروم لما بلغه من
قلتهم ، فلقيه سائح من سياحي الروم ، فقال : أين يريد الملك ؟ قال : هذه الطائفة
القليلة ، قال : تركتَ لقاءهم وأمراؤهم على تلك الحال ، فلما ولي هذا الرجل الصالح
تعرَّضُهم ؟ فقال : ذاك بالشام ،
وهؤلاء بأرض الروم ، قال : عمل ذلك مقدمة لهؤلاء ، قال سعيد: فانصرف لاون عن
لقائهم ([267]).
[96 ] ابن
عائذ ، قال : وحدثني الهيثم بن حميد ، حدثني شيخ من السكاسك ، حدثني عمرو بن قيس ،
قال : ولاني عمر الصائفة ، وأوصاني بتقوى الله ، وبالمسلمين خيراً ، وقال : إن
رابطت حصناً فلا تقم عليه إلا يوماً وليلة ، فإن طمعت فيه وإلا فارتحل ، فإن
أرادوك على فداء ما في يديك من أساراهم ؛ رجلاً برجل فافده ، فإن أبوا فرجل برجلين ، فإن أبو فرجل بثلاثة ، فإن
أبوا فأعطهم جميع ما في يدك برجل من المسلمين ([268])
[97] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال :
فأخبرني سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن عبد العزيز توفي يعني سنة إحدى ومائة ، وقد
صرف بعث الصائفة على أهل الشام والجزيرة والموصل ، وولَّى عليهم مسلمة ، فبلغه
خلاف يزيد بن المهلب ، فصرف إليه بعث الصائفة ، قال الوليد : وأخبرني غير واحد أن مسلمة بن عبد الملك مضى إلى
يزيد بن المهلب ، ومعه العباس بن الوليد فوليا قتله وقتاله ([269]) .
[98] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال
: ولَّى يزيدُ بن عبدالملك المغيرةَ بن عمير الأزدي ([270]) ، من أهل
حرستا ، فلم يزل حتى توفي يزيد ، وولي هشام بن عبدالملك فأقره سنتين ، ثم عزله ،
فولى يزيد بن أبي مريم الثقفي([271]) ، من مصيصة
دمشق ، فلم يزل مفلولاً عند اللقاء حتى غزته الروم، فقاتلته على باب ميناء صور ([272]) .
[99] محمد
بن عائذ ، قال : قال الوليد : وأخبرني بعض شيوخنا أن يزيد بن عبد الملك أغزى
العباس بن الوليد في ذلك العام ؛ يعني سنة إحدى ومائة الصائفة ، وافتتح دلسة . وفي
سنة ثلاث ومائة غزا العباس بن الوليد الصائفة ؛ فافتتح دمنقة ودردور ([273]).
[100] ابن
عائذ – وهو في إجازة منه عن الوليد – أخبرني بعض
شيوخنا: أن يزيد بن عبدالملك أغزى في سنة أربع ومائة الصائفة اليمنى عبد الرحمن بن
سليم الكلبي ، وعثمان بن حيان الصائفة اليسرى ([274]).
[الحروب مع
الخزر]
[101] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، نا أبو بكر
بن أبي مريم ([275]) أنه غزا
أرمينية ، وعليها معلق بن صفار البهراني. قال : ونا ابن عائذ ، قال : وأخبرني عبد الأعلى بن
مسهر أن عمر بن عبد العزيز استعمل على أرمينية الحارث بن عمر الكتاني . وأما
الوليد بن مسلم فإنه أخبرنا ؛ قال : حدثنا بعض شيوخنا أن معلقاً لم يزل والياً على
أرمينية حتى توفي عمر بن عبد العزيز ، وولى الخلافة يزيد بن عبد الملك ، فخلفه
يزيد بن المهلب ، وتابعه من تابعه من أهل البصرة ، فوجه إليه الجراح بن عبد الله الحكمي ([276]) في أربعة
آلاف من أهل الشام ، مقدمة ، ثم وجه مسلمة بن عبد الملك ، والعباس بن الوليد ، ثم
ضرب معهما من أهل الطائفة ، فلما قدم مسلمة أقفل الجراح إيهاماً له في أمر يزيد بن
المهلب ، فلما قدم على يزيد بن عبد الملك بلغ يزيد أن .. ([277]) قد خرجت
على معلق بن صفار ، فهزمته ، فعزله ، فقدم معلق على يزيد فجبَّنه ، فقال : ما جبنت
، ولكن لففت الخيل بالخيل ، والأبطال بالأبطال ، وصنع الله ما شاء ، فولى يزيد بن
عبد الملك الجراح أرمينية ، فلما قدمها استأذنه في غزو بلنجر ، فأذن له ، فغزاها ،
ففتحها ([278]).
[102] قال : ونا ابن عائذ ، أنا الوليد ، قال :
وفي سنة تسع ومائة أغزا - يعني هشام بن عبد الملك - مسلمةَ بن عبد الملك أذربيجان ([279]) ، وفرق
جيشه في أرمينية وأذربيجان ، وغزا الترك في بلادهم ، فأظهره الله عليهم . وفي سنة
عشر ومائة غزا مسلمة أيضاً الترك في بلادهم ، ولقي جمعهم ، فهزمهم الله([280]) .
[103] محمد بن عائذ ، قال : فحدثني عبد الأعلى
بن مسهر ، قال : واستخلف الجراح
- يعني ابن عبد الله الحكمي - يومئذ - يعني يوم قتل يزيد ابن بشر الحصلي
الكلبي - على الناس، فقال للجراح : إني لأرجو أن تكون أسرع إلى الله مني ، فقتل ،
وقتل معه خمسون من قومه ، وكان على أهل دمشق، وكان مقتل الجراح سنة اثنتي عشرة
ومائة في خلافة هشام ([281]).
[104] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال : فحدثنا
عبدالواحد بن بشر أن يزيد بن أسيد ([282])حدثه أنه
كان في مَنْ سار مع سعيد الحرشي من أهل الجزيرة، أو قال : ممن وجَّه هشامُ بن
عبدالملك مع سعيد الحرشي، قال : فلما دعاهم إلى لقاء خزر الذين معهم سبقة المسلمين
فأجابوه إلى ذلك ، وأنه أرسله في فوارس طليعة ليأتيه بخبرهم وحزرهم من الليل ، قال
: فسرنا حتى أشرفنا على عسكرهم ، فرأينا نساء المسلمين قد أوقدوا النيران على
أبواب أبنية خزر محتجرات يبكين أنفسهن ويندبن الإسلام ، قال يزيد : فأرَّقنا ما
رأينا من ذلك ، وألقينا السمع إليهم ، فانتظرنا ، فأتيناه بما رأينا وسمعنا ،
فأخبرنا سعيداً ومن معه، يعني بعد قتل الجراح الحكمي ([283]).
[ غزاة الطين ]
[105] محمد بن عائذ ، أخبرني الوليد ، حدثني
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن صاحب
الخزر كايد هشاماً بإرساله رجلاً من العرب قد سماه لنا ، فنسيته ، قد كان أصاب
أهله وولده ، وجعل له تخلية سبيل أهله وولده بإبلاغه تلك الرسالة إلى هشام ،
والرجعة إليه بخبر ما يبلغه ، وحمله على بريد المسلمين ، فأقبل متحزماً حتى دخل
على هشام ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، الجراح بن عبد الله يقرأ على
أمير المؤمنين السلام ، ويخبره بسلامته وبسلامة من معه من المسلمين ، بمكان كذا
وكذا ، وأنه من عدوه منتصف ، ويعزم على أمير المؤمنين ليردني إليه بعد إبلاغي
الرسالة بخبر أمير المؤمنين ، قال : ويحك ! من غير كتاب ؟ قال : نعم يا أمير
المؤمنين . قال : فدعا بدواب البريد فحمله من ساعته ، وأقام هشام يومه حتى إذا كان
من غروب الشمس قال لخاصته : ويحكم رسول الجراح يأتيني بغير كتاب ثم رجع لم يأتني
مصداق لخبره من صاحب بريد ولاعامل ، إن نحن إلا في مكر من عدونا ، عليَّ بسعيد
الحَرَشي . فأتي به ، فعقد له في عشرة من قومه على البريد ، وقال له : سر في أصحابك
، فإن قدمت والجراح حي فأنت مدد له ، وإن كان قتل فأنت أمير على أرمينية حتى يأتيك
رأي أمير المؤمنين ، وعقد له هشام بيده ، ودفع إليه اللواء ، وقال : ادع حاملاً ،
فنادى سعيد : يا فرج ، فقال هشام : أصنعت هذا ؟ قال : لا ، ولكنه أحد موالي
وأعواني ، قال هشام : هذا أول الفرج
.
قال : فحدثني غير ابن جابر أن
هشاماً وجّه الحرشي على البريد ، وأصحبه ممن هو في عسكره من وجوه الناس ، نحواً من
أربع مائة رجل ، وأمره أن لا يمر
بشريف من العرب إلا استنفره من قومه ففعل .
قال : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر
، قال : فأقبل سعيد الحرشي سريعاً على البريد وأنا ببردعة على بيت مال أرمينية قال
فلقيته فرأيته كاسفاً لونه منخزلاً ظهره على دابته ، فلما دنوت منه قلت : السلام
عليك أيها الأمير ورحمة الله ، قال : عبد الرحمن ! فاعتدل على سرجه ورد السلام ،
قال : ويحك، ما فعل الجراح ؟ قلت يرحم الله الجراح ، فأسفر لونه وذهبت عنه كآبته،
وأقبل علي يسألني عن خبرهم وأمورهم ، حتى دخل بردعة ، ثم عسكر معسكراً وضوى إليه
الفل ، وبقية الناس ، وأهل الحسبة ، حتى صار في الألف دون العشرة ، فأخبر أن صاحب
خزر وجه بما غنم من بلاد المسلمين من النساء والذرية وغيرهم من أهل ذمتهم مع طرخان
من طراخنته ، من نحو من عشرين ألفاً أو قال ثلاثين ألفاَ إلى بلاده ، فدعا
المسلمين إلى قتالهم ولقائهم فأجابوه إلى ذلك ، فسار بمن كان معه .
قال : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد
بن جابر ، وشيخ من أهل حمص ، قالا : فسار إليهم حتى لقيهم بهم ، فقاتلوهم قتالاً
شديداً فنصرهم الله عليهم ، فاستنقذ جميع ما كان من ذلك والذرية والسقبه ، ثم ثبت
لهم معسكراً ليعترض من مر به منهم ، فانتخبوا الأبطال والفرسان منهم - يعني من خزر
- ثلاثين ألفاً ، أو قالا: أكثر
منها ، فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزمهم الله ، وقتلوهم مقتلة لم يقتلها قوم قط ،
وبلغ ذلك الطاغية وقد بلغه إقبال مسلمة بن عبد الملك بالجموع ، فولى قافلاً إلى
بلاده ([284]).
[106] قال ابن أبي العقب ورأيت في رواية يزيد
بن عبد الصمد قال أبو عبد الله [يعني ابن عائذ] وقال الشاعر [يمدح سعيداً الحرشي ] :
|
بعد
البلاء بتأييد وإظفـــار |
|
أنت
الذي أدرك الله العبـاد بــه |
|||
|
كيد
الحروب أريب زنده واري |
|
موفق
للهدى والرشد مضطلــــع |
|||
|
كالصبح
أقبل في غر وإسفـار |
|
تضمن
الحذب والإيمان منـــبره |
|||
|
للمسلمين
بجد غير عثـــار |
|
لأمت
ما شئت من شعب ومن شـعب |
|||
|
من
شأننا كان غير الخالق الباري |
|
على
أوان شديد ليــس يعلمـــه |
|||
|
وشمرت
عن شذاها أي تشمار |
|
قد
أبدت الحرب فيه عن نواجــذها |
|||
|
فيه
الطراخين ذو نقض وإمرار |
|
وأنت
يوم أبى حزوان إذ رجعــت |
|||
|
وافوا
بأرعن ناوى الزم جـرار |
|
لقيتهم
بليوث في اللقــــاء وقـد |
|||
|
بالخيل
ننقض أوتارا بأوتــار |
|
فجستهم جوس قرم ما يقيـــلهم |
|||
|
من
علها بعد إنهال وإصــدار |
|
والخيل
ساهمة نضــــح الدماء بها |
|||
|
نهدا
شق كصدر الرمح خطـار |
|
من
كل طرف شديد الشعب منصلت |
|||
|
بكل عضب شديد المتن
بتـار |
|
فهم
يولون والفرسان تضر بهـــم |
|||
|
صلب
الدواس هصور هيصم ضار |
|
أمام
ليــث هزبر فـــرهم أزر |
|||
|
ـد
دلمس هو عداء على الساري |
|
عبل
الذراعين أبي شبلين ذي لبـــ |
|||
|
وأسعروا
نار حرب أي إسعـار |
|
ويوم
أسراب إذ جاشت جموعــهم |
|||
|
لهم
عصار تراه بعد إعصــار |
|
وأقبلوا
كالتماع البرق بيـــضهم |
|||
|
بخيرة من عباد الله أخيـــار |
|
فسرت
بالخيل والرايات تقدمــها |
|||
|
مسومين
أمام الناس أنصــار |
|
أمدك
الله رب العالمين بهـــم |
|||
|
على
يديك وأخزىكل كفـار([285]) |
|
فأهلك
الله جمع الشرك إذ رجــعوا |
|
|||
[ غزاة السائحة ]
[107] ابن عائذ ، قال : ونا الوليد ، قال : فحدثنا
غير واحد ممن كان في غزاة الطين أن الناس قفلوا منها وهم يقولون : فعل مروان ، وصنع مروان ، ولا يذكرون مسلمة ،
فكان ذلك سبباً لولاية مروان على أرمينية ، فولاه هشام أرمينية والجزيرة فوليها له
.
قال : وأنا الوليد ، قال : فحدثنا مرزوق
بن أبي الهذيل ، أو غيره ، قال : لم يرع هشام بن عبد الملك وهو ينظر في شيء من
ضيعته التي يقال لها الزيتون إلا ومروان قد خرج عليه لم يستأذنه ولم يعلم به حتى
رآه فأفزعه ذلك ، وقال : ويحك ، مروان ! قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فردد
هذا القول عليه مراراً، قال : يا أمير المؤمنين ضقت صدراً بما ساء ذكره لأمير
المؤمنين ، قال : فلم أر أن يكون في كتاب ، ولا أبوح به إلى أحد فترى فيه رأيك ،
قال : ومم ذاك ؟ قال : إنه قد كان من غزو صاحب خزر أمير المؤمنين والمسلمين ما كان
، فساح في بلاده ، وقتل عامله ، وانتهك من حرمة الإسلام ما قد علمه أمير المؤمنين
، ثم قفل إلى بلاده وقد أبقى على المسلمين عارها ما كانوا ، ثم كان من رأي أمير
المؤمنين في توجيه مسلمة بن عبد الملك ما قد علمه أمير المؤمنين ، فوالله ما وطئ
من بلادهم إلا أدناها ، وما صنع شيئاً ، ولقد أخرجه كسعاً كالمنهزم ، فلا يزال عار
ذلك فينا وفيهم ما كانوا ؛ وذلك أن مسلمة لما رأى من جموعه وكثرة من معه أعجبه ذلك
، فكتب إليه يؤدبهم لحربهم ويتهددهم بجموعه ، ثم أقام بعد كتابه نحوا من ثلاثة
أشهر ، وقد جمعوا جمعاً لم يكن به طاقة ، وقد رأيت أن يأذن لي أن أغزوهم غزوة أطأ
فيهم حريمهم ، وأنتقم للمسلمين منهم ، فقال : قد أذنت لك ، قال : فأمدني عليهم
بعشرين ومائة ألف فارس رامح ، فقال : قد فعلت ذاك وهم آتوك ، قال : ويكتم ذاك أمير
المؤمنين من خاصته وعامته ؛ فإني لو قدمت البلاد أذعت محاربة أمة من الأمم ممن
حولنا غيرهم ، فإذا قدمت الجنود وفرغت من أمورهم اغتررتهم بالدخول عليهم ، قال :
فافعل ، فودعه وانصرف ، فلا يدري أحد ما كلمه به من ذلك([286]).
[108] قال : وأخبرني الوليد ، قال : فحدثني غير
واحد ممن شهد غزاة السائحة مع مروان أحدهم شيخ من أهل قنسرين ، قال : قدمنا على
مروان في عشرين ومائة ألف فارس رامح هن جميع أجناد الشام والجزيرة والموصل ،
والمتطوعة كثيرة من أهل العراق وغيرهم ، فقدمنا عليه وهو مظهر لمحاربة ملك اللان
وغيره ، وقد كتب إلى صاحب خزر يعرض له بالصلح ، فإن كان لك في شيء من ذلك هوى ،
فوفد إلي وافداً نعاملهم عليه ، يقدم عليك وفدي بتمام ذلك والشهادة علي وعليك ،
فوجه صاحب خزر وفداً ومروان يعرض الخيول، ويعطي ال .. ويتجهز لإمره ويحضرهم مجلسه
ويقرب منهم ويسمعهم ما يحبون، ويتلطى على الأمة التي ذكر حتى إذا فرغ فلم يكن إلا
الشخوص أظهر لوفد الخزر الحسبة فأغضبهم ، ذلك فأسمعوه ، فأمر بحملهم على مركبهم من
البريد على طريق الباب ، وهي تدور ولم يأذن لهم أن يدخلوا من باب اللان ، وقال لهم
: أعلموا صاحبكم أني قد أذنته بحرب ، فمضى الوفد إلى الباب ، ودخل هو من باب اللان
، وقدموا على طاغيتهم فأخبروه أنه تجهز بجهاز لم يروا مثله ، وأعد جمعاً لم يروا
مثله ، وقد آذنك بحرب ، قال : وجاءه الخبر أن هذا مروان قد دخل عليك ، فجمع أهل
مشورته وطراخينه فقال : ما ترون ؟ وما تقولون ؟ قالوا : إن مسلمة آذنك بحربه وتصرع
في بلاده حتى جمعت له ، وإن هذا اعتراك فقد رهقك ، فإن أنت سرت إليه بمن حضرك هزمك
وبلغ منك ، وإن أنت أردت أن تجمع له لم يجتمع لك جنودك ثلاثة أشهر ، وإلى ذلك ما
قد بلغ منك ومنك [كذا] ، فالرأي أن
تلحق بكورة كذا وكذا من أقصى بلادك ، وتدعه في البلاد يبلغ منها ما بلغ ، قال :
فقبل رأيهم ، قال : فسار بنا مروان في تلك الجموع حتى أجاز بنا نهراً في وسط
بلادهم، يقال له إرم ، شبهه لي الشيخ بدجلة ، من مخاضة دل عليها ، فأقام يجيز بنا
كذا وكذا يوماً ، ثم سار بنا في بلادهم مع النهر ، كلما سار وطيء من العمارة أكثر
مما خلف ، فسار بنا أياما فأتته هصايله أرمينية فقالوا له : أيها الأمير انصرف إلى
المخاضة وتداركها قبل أن يحال بينك وبينها ، فإنهم إن فعلوا جمعوا لك جموعاً حالوا
بينك وبين القفول، قال : فقبل ذلك من رأيهم ، وتحمل حتى أجاز بهم النهر راجعاً ([287]).
[109] محمد بن عائذ ، أخبرني الوليد بن مسلم ،
قال : فقلت للشيخ القنسريني : فمن كان على مقدمته وميمنته وميسرته وساقته - يعني
مروان - حين غزا خزرَ في غزوة السائحة ؟ فقال : كان على مقدمته فلان ، فنسيته ،
وعلى ميمنته عبد الملك بن مروان ابنه ، وعلى ميسرته الصقر بن صفوان الحمصي ، وعلى
ساقيته([288]) ثابت بن
نعيم الجذامي ، وهذه الغزوة كانت في أيام هشام بن عبد الملك، وولاه مروان بن محمد
على الجزيرة وأرمينية([289]).
[متابعة
هشام بن عبد الملك إغزاء الصوائف]
[110] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وأنا
عثمان بن محمد ، فإنه حدثني أن هشام بن عبد الملك أغزى الصائفة سنة ست ومائة سعيد
بن عبد الملك([290]) ، وكنت
فيمن غزا تلك السنة ، فصلى بنا الظهر أربعاً بدابق ، فدخل عليه مكحول فأفتاه بقصر
الصلاة ، فخرج فصلى بنا العصر ركعتين عن فتيا مكحول ، قال : فسمعت رجاء بن حيوة
وعبادة بن مُسَي وعدي بن عدي يقولون : ما زلنا نتم الصلاة في هذا المعسكر ([291]).
[111] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وبلغنا أن هشام بن عبد
الملك أغزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة سنة سبع ومائة وسعيد بن هشام([292]) على صائفة
أهل الشام ومسلمة على جماعة الناس . وفي سنة تسع ومائة أغزا سعيد بن هشام في ناحية
من أرض الروم أيضاً ([293]).
[112] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال :
وأخبرني شيخ من أهل قنسرين أنه غزا في صائفة كان يقدمها عمرو بن الوضاح في نحو من
عشرين ألفاً ، فوغل في دار أرض الروم ، ففتح وسبى سبياً كثيراً ، وكنت فيمن غزا
معه ، فأقبل بتلك الغنائم يريد عقبة الركاب ، يتلقى جماعة الصائفة ، فلما كان من
عقبة الركاب على مرحلة أو مرحلتين ، سمع منشداً ينشد : ألا من دل على بغلة كذا
يتبعها إلفها برذون كذا ، فدعا به عمرو ، فقال : ما تقول ؟ فأخبره بما ينشد ، فقال
: إنما البغال تتبع إلفها من البراذين ولا يعرف برذون يتبع البغال ! فما أنت ؟ ومن
أين أنت ؟ ومن بعث بك ؟ قال : فذهب ينسب فلجلج ، وعرف أنه قد لجلج ، فقال : ليخلني
الأمير ، فأخلاه ، فأخبره أنه عين للروم ، وأنه خلّف أهل الرساتيق والكور قد حشروا
إلى عقبة الركاب ليأخذوا عليك بها ، ويستنقذوا ما غنمت ، قال : ماذا لي إن نصحتك
نصيحة تغنم بها جماعتهم وتجيزها بإذن الله لمن معك وما معك ؟ قال : لك الأمان وغير
ذلك ، قال : إن الذين حشروا إلينا من الرساتيق لم يحشروا إليه على بعث ضرب لهم
أعطوا عليها العطاء ، وإنما حشروا إليها كرهاً ، وقد أقاموا وأبطأت عليهم ، فالرأي
لك أن يؤذن مؤذنك في هذه الساعة أن يصبح الناس على ظهر نفير ليقيما [كذا] ، ثم
يصبح غاديتهم ، فيسير يوماً أو يومين ، وتبلغهم ليوافوك عند إقبالك من العقبة،
فإذا ذهب الخبر إليهم بذلك ، وسرت يومك ، رحلوا عنها أو أكثرهم ، عطفت عليهم ،
فأضربها بإذن الله ، وقويت على من بقي منها ، قال الشيخ : نفعل ذلك ، ثم عطفت
راجعاً فوافى الأمر على نحو ما ذكر ، من رفض عامتهم وقلة من ثبت عليها ، فقاتلوه قتالاً
شديداً ، فنصره الله ، وكان بيننا وبينهم معركة تشبه الملحمة ، وأجاز بما كان سبا
وغنم ، حتى لحقنا أرض الروم .
وذكر الوليد كان ذلك سنة أربع عشرة ومائة
وأمير الصائفة معاوية بن هشام ([294]).
[113] ابن عائذ ، نا الوليد ، أخبرني عبد الله ([295]) ، عن مالك بن
أدهم الباهلي ، قال : غزونا الصائفة مع معاوية بن هشام ، فلما قفلنا وقدمنا وفداً
إلى هشام ، أنا فيهم ، فلما قدمنا على هشام قدم وفد البحر ، فأذن لنا هشام جميعاً
فدخلنا عليه ، وقام خطيبنا فتكلم فأحسن ، ثم قام خطيب البحر من الموالي فبذّ
خطيبنا كلاماً ، قال : وقد كان بعثُ البحر نُكبوا قبل ذلك ثلاث غزوات ، فقال خطيب
البحر في كلامه : يا أمير المؤمنين لكل شيء إسطاماً([296]) وإن إسطام
الموالي العرب ، فإن كان لك بثغرك في البحر حاجة فاسطم الموالي بالعرب ، فإنه أحسن
لذات بيننا ، وأسخى لأنفسنا ، وأهيب لنا في صدور عدونا ، قال هشام : صدقت ونصحت ،
فقطع البعث على الموالي والعرب([297]).
[114] ابن عائذ ، قال : قال الوليد : وفي سنة
ثمان ومائة أغزا هشام بن عبد الملك معاويةَ بن هشام الصائفة ، فافتتح العطاسن .
وفي سنة ثمان ومائة أغزاه فافتتح سقلة والبرة . وفي سنة عشر أغزاه الصائفة ، وعلى مقدمته البطال، فافتتح خنجرة
([298]) . وفي سنة
إحدى عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام الصائفة ، فافتتح خرشنة ([299]) . وفي سنة
اثنتي عشرة ومائة غزا معاوية ابن هشام دابق والعمق . وفي سنة ثلاث عشرة ومائة أغزا
معاويةَ بن هشام على صائفة الناس . وفي سنة أربع عشرة ومائة أغزا معاويةَ بن هشام
لسصعه [كذا]. وأقبل عمرو بن الوضاح ([300]) والبطال
بالسبي . وفي سنة خمس عشرة ومائة أغزا معاويةَ بن هشام الصائفة . وفي سنة ست عشرة
ومائة أغزا معاوية بن هشام الصائفةَ . وفي سنة سبع عشرة ومائة أغزا معاوية بن هشام
الصائفة اليسرى ، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى . ونا ابن عائذ ، قال : وفي سنة
ثمان عشرة ومائة أغزا معاوية بن هشام الصائفة . وفي ذلك العام توفي معاوية بن هشام
([301]).
[115] محمد بن عائذ ، عن الوليد بن مسلم ، وقال
: في سنة تسع عشرة ومائة غزا عبد الرحمن بن القعقاع العبسي([302]) ، يعني أرض
الروم في خلافة هشام بن عبدالملك ([303]).
[116] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وفي
سنة تسع عشرة ومائة غزا عبد الملك العبسي ([304]).
[117] ابن
عائذ، أنا الوليد ، أخبرني شيخ من آل معاوية بن هشام ، قال: توفي [يعني معاوية بن
هشام] سنة تسع عشرة ومائة . وغزا الصائفة بعده مسلمة ابن هشام ([305]) . وقال غير
ذلك الشيخ : إن هشاماً أغزى في سنة إحدى وعشرين ومائة مسلمة بن هشام ، ويحيى بن
هشام([306]) بن عبد
الملك ذلك العام ملطية ، فرابط بها تلك السنة ([307]).
[118] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وفي
سنة ثلاث عشرة ومائة أغزا يعني هشام بن عبدالملك معاوية بن هشام على صائفة الناس ،
وأغزا سليمانَ بن هشام أيضاً في ذلك العام أرض الروم ، فافتتح أقرن ، وأخذ عظيماً
من عظماء الروم . وفي سنة عشرين ومائة أغزا سليمان بن هشام الصائفة([308]).
وعن الوليد ، قال : وأخبرني شيخ من آل
معاوية بن هشام ، قال : توفي يعني معاوية سنة تسع عشرة ومائة وعلى الصائفة بعده
مسلمة بن هشام ، وقريش بن هشام . قال : ولَّى هشامُ سليمانَ بن هشام الصوائف حتى
توفي هشام ، وقتل معه في بعضها البطال ، ومالك بن شبيب .
وعن الوليد ، قال : وأخبرني عبد الرحمن بن
جابر أن هشاماً تابع إغزاء معاوية بن هشام الصائفة سنين يفتح له فيها الفتوح حتى
توفي معاوية بن هشام . ثم ولَّى بعده سليمانَ بن هشام الصوائف سنيات لا يليها غيره
.
قال : ونا الوليد ، قال : وبلغنا أن هشام
بن عبدالملك غزَّا ابنه سليمان الصائفة سنة ثنتين وعشرين ومائة فسلم وغنم([309]).
[ حروب البطال ]
[119] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ،
حدثني أبو مروان - شيخ من أنطاكية - ، قال : كنت أغازي مع البطال ، وقد أوطأ الروم
ذلاً ، قال البطال : فسألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي
فيهم ، فقلت : خرجت في سرية ليلاً ، ودفعنا إلى قرية ، وقلت لأصحابي : أرخوا لجم
خيولكم ، ولا تحركوا أحداً بقتل ولا سبي حتى تشحنوا القرية([310])، فإنهم في
نومة ، قال : ففعلوا ، وافترقوا في أزقتها ، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيت يزهر
سراجه ، وامرأة تسكت ابنها من بكائه ؛ وهي تقول : اسكت وإلا دفعتك إلى البطال يذهب
بك ، فانْتَشَلَتْهُ من سريره ، فقالت : أمسك يا بطال ، فأخذته([311]).
[120] قال : ونا الوليد ، نا أبو مروان ، أنه
سمعه يحدث ؛ قال : خرجت ذات يوم متوحداً على فرسي ، لأصيب غفلة أو منفرداً ،
متسمطاً مخلاة فيها عليق فرسي ، ومنديل فيه خبز وشواء ، فينما أنا أسير ، إذ مررت
ببستان فيه بقل طيب ، فنزلت ، فعلقت على فرسي ، وأصبت من ذلك الشواء ببقل البستان
، إذ أسهلني بطني ، فاختلفت مراراً ، فاستفقت من دوامِه وضعفي عن ما يجيء علي من
الركوب ، فبادرت وركبت ، ولزمت طريقاً ،
واستفرغني على سرجي ، كراهية أن أنزل فأضعف عن الركوب ، حتى لزمت عنقه
متشبثاً ببرطنجه ، مخافة أن أسقط عنه ، وذهب بي ولا أدري أين يذهب بي ، إذ سمعت
وقع حوافره على بلاط ، ففتحت عيني ، فإذا دير ، فوقف بي في وسط الدير ، وإذا نسوة
يتطلعن من أبواب الدير ، فلما رأين أنه لا تبع لي ، ورأين حالي وضعفي عن النزول ،
خرجت صاحبة منهن حتى وقفت علي ، ونظرت في وجهي ، وعرفت من حالي ، ورطنت لهن تحسب
علي ، وأمرتهن فنزعن عني ثيابي ،
وغسلن ما بي ، ففعلن ، ودعت بثياب فألبستنيها ، وترياق ، أو دواء فشربته ، ثم أمرت
بي فجُعلت على سرير لها ودثار ، وأمرت بطعام فهيء لي ، فأتت به ، وأقمت يومي ذلك
وتلك الليلة مسبوتاً ([312]) ، لا أدري
ما أنا فيه ، قال : وأصبحت من الغد
على ضعف من الركوب ، وأقمت ليلتي ويومي وليلتي ، فذهب عني السبات ، وأنا ضعيف عن
الركوب ، حتى كان في اليوم الثالث ، جاءها من يخبرها أن فلاناً البطريق قد أقبل في
موكبه ، فأَمَرَتْ بفرسي فغُيِّب ، وأغلق علي باب بيتي الذي أنا فيه ، ودخل البطريق ، فأنزلته منزلاً ، واقتفت
به وبأصحابه ، وأسمع بعض النسوة تخبر أنه خاطب لها ، فبينما هو على ذلك الحالة ،
إذ جاءه من يخبره عن موضع فرسي ، وإغلاقهم علي ، فهمَّ أن يهجم علي ، فأقسمتْ إن
هو تعرض لي لا نال حاجته ، فأمسك ، وأقام قائلة في ذلك اليوم في قرى ، ثم قروح ،
وخرجت فدعوت بفرسي ، فخرجت إلي فقالت : إني لا آمن أن يكمن لك ، دعه يذهب ، فأبيت
عليها ، وركبت فقفوت الأثر حتى لحقته ، وشددت عليه فانفرج عنه أصحابه ، فقتلته ،
وطلبت أصحابه فهربوا عني ، وأخذت فرسه ،
وسمط رأسه ، ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس ، ودعوتها ومن معها من نسائها
وخدمها فوقفن بين يدي ، وأمرتها بالرحلة ومن معها على دواب الدير ، وسرت بهن إلى
العسكر ، حتى دفعت بهن إلى الوالي ،
فجعل نفلي منهن ، فتنفلت المرأة بعينها ، وسلمت سائر الغنيمة في المقسم ، واتخذتها
فهي امرأتي . قال أبو مروان : وكان
أبوها بطريقاً من بطارقة الروم ، له شرف ، فكان يهاديه ، ويكاتبه ([313]).
[121] ابن عائذ ، عن الوليد ، قال : سمعت عبد
الله بن راشد مولى خزاعة ([314]) ، يخبر عن
من سمعه من البطال ، يخبر أن هشاماً ، أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد استعمله
على ثغر المصيصة([315]) وما يليها
، وأنه راث عليه خبر الروم ، فوجه سرية لتأتيه بالخبر عن غير إذن من الوالي ، قال
البطال : فتوجهوا وأجلتهم أجلاً ، فاستوعبوا الأجل ، فأشفقت من مصيبتهم ، ولائمة
الخليفة ، وضعف أميرهم ، فخرجت متوحداً ، حتى دخلت في الناحية التي أمرتهم بها ،
فلم أجد لهم خبراً ، فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل ناحية أخرى ، فتوجهوا إليها ،
وكرهت أن أرجع ولم أستنقذهم مما هم فيه ، إن كان عدو يكاثرهم ، أو أعرف من خبرهم
ما أسكن إليه ، فلم أجد أحداً يخبرني بشيء ، فمضيت حتى أقف على باب عمورية([316]) ، فآمره بفتح الباب ، ففعل ، وأدخلني ،
فلما صرت إلى بلاطها وقفت ، وأمرت من يشد يدي إلى باب بطريقها ، ففعل ، ووافيت باب
البطريق قد فتح ، وجلس لي ، ونزلت عن فرسي وأنا متلثم بعمامتي ، فأذن لي ، ومضيت
حتى جلست على مثال إلى جانب مثاله ، فرحب وقرب ، وقلت : أخرج من أرى ، فإني قد
حملت إليك ، فأخرجهم ، وشددت عليه حتى غلق باب الكنيسة وعاد إلى مجلسه ، واخترطت
سيفي فضربت به على رأسه ، فقلت له : قد وقعتَ بهذا الموضع ، فأعطني عهداً حتى
أكلمك بما أردت حتى أرجع من حيث جئت لا يتبعني منك خلاف ، ففعل ، فقلت : أنا
البطال ، فاصدقني عما أسألك عنه وانصحني ، وإلا أجهزت عليك ، فقال : سل عما بدا لك
، فقلت السرية ؟ فقال : نعم ، وافت البلاد غارة لا يدفع أهلها يد بالأمس ، فوغلوا
في البلاد ، وملأوا أيديهم غنائم ، وهذا آخر خبر جاءني أنهم بوادي كذا وكذا
، فصدقتك ، وليس عندي من خبرهم غير هذا . فغمدت سيفي ، وقلت : ادع لي بطعام ، فدعا
، ثم قمت ، وقال : اشتدوا بين يدي رسول الملك حتى يخرج ، ففعلوا ، وقصدت إلى
السرية حتى قدمت عليهم وخرجت بهم بما غنموا ، فهذا أعجب ما كان([317]).
[122] قال : ونا الوليد ، قال : وأخبرني بعض
شيوخنا ، قال : رأيت البطال قافلاً من حجه السنة التي قتل فيها رحمه الله ، وهو
يخبر أنه لم يزل فيما مضى من عمره مشتغلاً عن حجة الإسلام بما فتح له من الجهاد ،
وسأل الله الحج والشهادة ، فإن الله قد قضى عنه حجته ، وهو يرجو أن يرزقه الشهادة
في عامه هذا ، ثم مضى إلى منزله ، وغزا من عامه فاستشهد([318]).
[123] محمد بن عائذ ، عن الوليد ، قال :
وأخبرني عبد الرحمن بن جابر: أن هشاماً تابع إغزاء معاوية بن هشام ([319]) الصائفة
سنين ، يفتح له فيها الفتوح، حتى توفي معاوية بن هشام ، ثم ولي بعده سليمان بن
هشام ([320]) الصوائف
سنيات لا يليها غيره ،فخرج في سنة من ذلك في بعث كثيف ، ووجه مقدمته في ثمانية
آلاف ، عليها مالك بن شبيب([321]) ، وأصحبه
البطال ، وأمره بمشاورته والأخذ برأيه ، فخرج معه حتى وغل في أرض الروم ... قال
ابن جابر: فحدثني من سمع البطال يخبر مالك بن شبيب وهو بأقرُن ([322])، أن بطريق
أقرن أرسل إليه ، لصهر بينه وبينه ، أنه يأتيه حتى يكلمك بكلام لا تحتمله الرسالة
، قال : فخرجت إليه حتى كلمني من بين شرافتين ، وهو يحسب أني أمير الجيش ، قال :
وفي كم أنت ؟ فقلت : في كذا وكذا ألفاً ، وزدت ، فقال: ما أدري ما تقول ، إلا أن
أصحابك أقل مما قلت ، وبيننا وبينك من الصهر ما قد علمت ، وهذا إليون قد أقبل في
نحو من مائة ألف ، وهو يريدك ، لما بلغه من قلة جيشك ، فما كنت صانعاً فاصنعه في
يومك هذا ، فإني قد أخبرتك الخبر ، فانظر لنفسك ، وها أنا قد أخبرتك الخبر فانظر
لنفسك ومن معك ، قال : فما الرأي ؟ قال : الرأي أن تأتي إسناده ، فإنها مثغرة
مفتوحة ، فتدخل فيها ، وتشد من ثغرها ، وتقاتلهم من وجه واحد ، حتى يأتيك سليمان
بن هشام بالصائفة ، فقال من عند مالك من قومه : أراد والله العلج أن يلحق بك
سماعها وعيبها ، فأخذ مالك بقولهم ،
فقام عنه البطال ، ومضى مالك يومه ذلك ، ومن الغد ، فبينا هو يسير إذ أشرف على أرض
رأى فيها سواداً ، فقال : غيضة! فقال البطال : كلا ، ولكن ليون في جيشه ، وما ترى
من السواد الرماح وآلة الحرب ، قال : الرأي ؟ قال : اليوم ، وقد تركته بالأمس ! ،
قال : الرأي أن تلقاه فتقاتله حتى يحكم الله ، قال : ولقيناه ، فقاتل مالك ومن معه
حتى قتل في جماعة من المسلمين ، والبطال عصمة لمن بقي من الناس ، ووال عليهم([323]).
[124] و عن
الوليد ، قال : وأخبرني عبد الرحمن بن جابر ، قال : فحدثني من سمع البطال يخبر
مالك بن شبيب يعني أمير مقدمة الجيش الذي قتل فيه ، عن خبر بطريق أقرُن - صهر البطال – : أن ليون طاغية
الروم قد أقبل في نحو مائة ألف ، فذكر الحديث فى إشارة البطال عليه باللحاق ببعض
مدن الروم المقفلة المخربة ، والتحصن به حتى يلحقهم الأمير سليمان بن هشام ،
وعصيان مالك بن شبيب البطالَ في رأيه هذا ، قال : ولقيناه يعني ليون ، فقاتل مالك
ومن معه حتى قُتل في جماعة من المسلمين ، والبطال عصمة لمن بقي من الناس ، ووال
عليهم ، قد أمرهم أن لا يعصوه ، فلا يذكروا له اسماً ، فتجمعوا عليه ، فشد عليهم
حتى حمل حملة من ذلك ، فذكر بعضُ منْ كان معه اسمَه ؛ وناداه ، فشدت عليه فرسان
الروم حتى شالته برماحها عن سرجه ، وألقته إلى الأرض ، وأقبلت تشد على بقية الناس
، والناس معتصمون بسيوفهم ، حتى كان مع اصفرار الشمس . قال الوليد : قال غير ابن جابر : وليون طاغية الروم قد نزل عن
دابته ، وضرب له مفازة ، وأمر برَهَبَته وأساقفته فحضروا ، فرفع يده ، ورفعوا
أيديهم ؛ يستنصرون على المسلمين ، وزاد أمر قلتهم ، وقلة من بقي ، فقال : ناد
ياغلام برفع السيف ، وترك بقية القوم لله ، وانصرفوا بنا إلى معسكرنا ، والقوم في
بلادنا ، نغاديهم ، ففعل ، قال ابن
جابر : وانصرف إلى معسكره ، وبات ، وأمر البطال منادياً فنادى أيها الناس عليكم بسنادة
، فادخلوها ، وتحصنوا فيها ، وأمَّر البطال رجلاً على مقدمتهم ، وآخر على ساقتهم ،
لا يخلَّف جريحاً ، ولا ضعيفاً فيما قدر عليه ، وثبت في مكانه ، وثبت معه قريب له
في ناس من مواليه ، وأمر من يسير في أوائلهم من يقول : أيها الناس الحقوا ، فإن
البطال يسير بأخراكم ، وأمر من يقول في أخراهم أيها الناس الحقوا فإن البطال في
أولاكم ، يهديكم الطريق ويهيء منزلكم بسنادة ، فمضى الناس فلم يصبحوا إلا وقد
دخلوا سنادة ، وافتقدوا البطال، فأجمع رأيهم على تحصينها والقتال عليها . قال : وأصبح البطال في مكانه في المعركة ، به رمق ، فلما كان من الغد
ركب ليون بجيشه حتى أتى المعركة فوجدهم قد دخلوا سنادة إلا البطال ومن بقي معه ،
فأخبر به ، فأتاه حتى وقف عليه ، فقال : أبا يحيى ، كيف رأيت ؟ قال : ما رأيت ،
كذلك الأبطال ، تَقتلُ ، وتُقتلْ ، قال ليون : علىّ بالأطباء ، فأتي بهم ، فأمرهم
بالنظر في جراحه ،فأخبروه أنها قد أنفذت مقاتله ، فقال : هل من حاجة ؟ قال : نعم ،
تأمر من ثبت معي ، ومن في أيديكم من أسارى المسلمين بولايتي وكفني والصلاة علي
ودفني ، وتخلي سبيل من ثبت عندي ، ففعل ذلك ، وقصد إلى الناس بسنادة ، فحاصرهم ،
فبينما هم على ذلك إذ أشرف من سند أو شيء مشرف على فرسه في رجال على خيول الطلائع
، وهو يقول ، أيها الناس ، أنا ثابت البهراني رسول الأمير سليمان بن هشام ، يخبر
سرعة سيره إليكم ، وهو آتيكم أحد اليومين ، فسر ذلك المسلمين، وأصبح ليون سائراً
بعسكره ، قافلاً إلى القسطنطينية حتى دخلها ، وأقبل سليمان بمن معه حتى نزل بسنادة
، وأصلح إلى من كان بها حتى رحل عنها .
وقال الشاعر
:
|
بأقرُنَ غودروا جثثاً
رماما |
|
ألم يبلغك من أنباء جيشٍ |
|
يجوبون المهاوي والظلاما |
|
غدوا
من عندنا بصـريم أمر |
|
لها
دفعاً هناك ولا خصاما |
|
تقودهم حتوف لم يطيقوا |
|
بجرار
الضحى بعض الأكاما |
|
ولاقتهم
زحوف الروم تهدي |
|
ركامٌ رائح يتلو ركاما |
|
كأن جموعَهم لما تلاقوا |
|
مع
الإشراق قد لبسوا اللأُما |
|
تلألأ بعضهم لما أتوهم |
|
أثار السابحات به القَتَاما |
|
فكان لهم به يومٌ عصيب |
|
نوائحُ يلتزمن به التزاما |
|
معارك
لم تقم فيها بشجوٍ |
|
ثواكل
قد شجين به اهتماما |
|
نأت عن مالك فيه بواكي |
|
هناك بعبرة تشفي
الهُيَاما |
|
ولم
تهمل على البطال عينٌ |
|
بخيل
تخرق الجيش اللُّهاما |
|
عشية باشر الأهوال
صبراً |
|
وضرباً بقتل البطل الهماما |
|
يكُرُّ عليهم بالخيل
طعناً |
|
تداعوا من مخافته
انهزاما |
|
إذا ما خيله
حملت عليهم |
|
فقد تلقاه مغواراً حُماما |
|
فإن يعلونه الأسبابُ
يوماً |
|
وأحمدَ مشهدٍ وأقلَ ذاما |
|
ولم
أرَ مثلَه أمضى جَنَاناً |
|
فإنك كنت للهيجا حُساما |
|
فلا تبعد هنالك من
شهيدٍ |
قال أبو عبد
الله ابن عائذ : وليس هذا الشعر من حديث الوليد ([324]).
[125] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال :
فاخبرني عبد الرحمن بن جابر ، أخبرني من غزا معه ، يعني البطال ، أنه سمع عبد
الوهاب بن بخت المكي ([325]) ، وهو يقول
: والله لقد كنا نسمع أن سرية ثمانية آلاف ونحوها ، يليها رجل من قيس ، فيقتل ومن
معه إلا الشريد ، وآية ذلك أنها خيل جريدة ليس معهم إلا راحلة ، فانظروا هل ترون
إبلاً أو راحلة ، فركب بعض أهل المجلس فجال في العسكر ، فقال :لم أر إلا راحلة عند
آل فلان ، قال : ولقينا العدو ، فقتلوا مالكاً يعني ابن شبيب والبطال وعبد الوهاب
بن بخت المكي ([326]).
[126] محمد بن عائذ ، نا الوليد بن مسلم ، قال : بلغني أن عمر بن عبد
العزيز ولى على غازية البحر المخارق بن ميسرة بن حجر الطائي ، فلم يزل والياً حتى
توفي ، فولى يزيدُ بن عبد الملك المغيرةَ بن عمير الأزدي ، من أهل حرستا ، فلم يزل
حتى توفي يزيد ، وولي هشامُ بن عبد الملك فأقره سنتين ، ثم عزله ، وولَّى بريد
[يزيد] بن أبي مريم الثقفي ، قال : وعزل يعني هشاماً بريد [يزيد] وولَّى الأسودَ
بن بلال المحاربي ، وولي يزيدُ بن الوليد فعزله يعني الأسود ابن بلال ، وولاه
الأردن ، وولَّى غازية البحر المغيرةَ بن عمير، فلم يزل عليه حتى سار إليه ابن أبي
الأعور السلمي من طبرية ، فقتله ([327])
[127] ابن عائذ ، نا الوليد ، قال : عزل هشامُ
بن عبد الملك ابنَ أبي مريم عن
غازية البحر ، وولَّى الأسود بن بلال المحاربي .
حدثنا الوليد ، نا غير واحد أن سبب ولاية
هشام بن عبد الملك الأسودَ بن بلال غازية البحر أن والي دمشق ولى الأسودَ بن بلال
ولاية مدينة بيروت من ساحل دمشق ، لمكان أم الأسود عند سليمان بن حبيب القاضي ،
فأغارت الروم على سفن من التجار مرسية بنهر بيروت ، فذهبت بها ، ومرت بها على باب
ميناء بيروت ، وأهلها ممسوكون بأيديهم هيبة له ، فصاح الأسودُ بهم ، وركب قوارب
فيها لنسيه [كذا] وقد أفتق بطلبهم حتى استنقذ تلك المراكب ، وقتل منهم ، وكتب إلى
هشام ، فكتب هشام إلى الأسود بولايته على البحر ، فلم يزل يحمدُ حزمه وعزمه وصنع
الله له حتى توفي هشام ، فأقره الوليد بن يزيد حتى قتل ، وولي يزيدُ بن الوليد
فعزله ، وولاه الأردن ، وولى غازية البحر المغيرة بن عمير ([328]) .
[128] قال :
ونا الوليد ، حدثني الليث ؛ يعني ابن تميم القارىء ([329]) ، وابن أبي
كريمة أن الروم قاتلته على باب ميناء صور ، فأخرج إليهم خالد بن الحسفان الفارسي
فهزمهم ، وطلبهم ، فأرست سفينة من سفن الروم بأهلها على جزيرة صور فأسرهم ، وكتب
ابن أبي مريم إلى هشام يخبره بقتال الروم إياه على باب ميناء صور ، فوجه إليهم
ابنه الشرف فهزمهم ، وأدرك سفينة في جزيرة صور راسية فأسر أهلها ، قال : وكتب صاحب
البريد بطبرية ؛ إن الذي ولي قتالهم وطلبهم خالد الفارسي ، فكتب إليه هشام : إنه
ليس بالشرف ولكنه الوضيع ، وكذبت ، فنقل ([330]) خالداً
وأصحابه ذلك المركب ، إلا خمسة ، وعزل يزيد ، وولّى الأسود بن بلال المحاربي ([331]).
[129] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : وبويع الوليد بن يزيد ،
يعني في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة ، واستعمل على الصائفة أخاه الغمرَ
بن يزيد ([332]) .
قال ابن عائذ ، وحدثنا الوليد ، قال :
فحدثني غير واحد بحديث قد وهمت فيه ، أن الغمر بن يزيد شتى في صائفته هذه ، وأنا
أشك في صائفة أخرى بعدها بسنة [كذا] وثلاثين ألفاً . وقتل الوليد بن يزيد على ذلك
ولم يكن للناس صائفة بعد ذلك ([333]).
[130]
ابن عائذ ، قال : قال الوليد : فحدثني من سمع واصلاً - رجل من أهل دمشق ممن
كان يعرف بالصلاح والصلاة والصبر عليها ، فابتلي بالأسر، فكانت الروم تكرمه لما
ترى من حاله ، قال واصل : لما اختلف قسطنطين وأرطباس بعثني قسطنطين ببطارقته إلى
الوليد بن يزيد يستنصره على أرطباس ، وجعل العهد لئن أنا قمت برسالته ، والإعراب
عنه مع بطارقته جائزة كذا وكذا ، وتخلية سبيلي ، قال : فقدمت على الوليد بهم ،
وتقدم من عند أرطباس من يسأل الوليد نصرتهم وموالاتهم على قسطنطين ، قال واصل :
فتكلمت عند الوليد ، وقامت البطارقة بلغت عن صاحبها ، وقامت بطارقة أرطباس فتكلمت
عن أرطباس ، واستمع الوليد من الفريقين ، ثم أقبل عليهم فقال : لو كنت ناصراً
أحداً لنصرت قسطنطين على من خالفه ، ولكن انصرفوا، فكلكم عدو ، وليس بيني وبين أحد
منكم إلا السيف ، ثم أقبل على البطارقة الذين جئت بهم فقال : أرأيتم صاحبنا هذا
أثخنته الجراحة فأسرتموه ، فلا سبيل لكم إليه قد رده الله ، أم ألقى بيديه فهو
عبدكم يرجع معكم ؟ فقالوا: بل أثخنته الجراحة ، فحبسني الوليد ، وأمر بالجيش
فسيروا ، وأمضى الغمر بن يزيد في صائفته ، فوافى اختلافاً بينهم فغنم وسبى ([334]).
[131] محمد بن عائذ ، نبأنا الوليد ، قال : لما
ولي مروان بن محمد ([335]) ولَّى ،
يعني غزو البحر تركه بن يزيد
العاملي ، وَلّى من بعده معن بن سالم العاملي ([336]) ، ثم وَلّى
مكانه حذيفة بن سعيد السلامي ([337]) ، ثم ولى
من بعد الحارث بن سليمان العنسي ([338]).
[ العصر العباسي ]
[132] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد : أدركت
ولاية الأمين ، وأمراء المؤمنين من آل رسول الله قد ائتموا بما مضى من سنة رسول
الله ، ومن بعده من ولاة الأمر في .. والصوائف ، وتقوية المجاهدين ،
فكان من ذلك إغزاء أمير المؤمنين أبي العباس عبد الله بن علي([339]) على ما ..
جرد بها الناس إدراك مائة ألف أو يزيدون حتى افتتن عبد الله بن علي بعد وفاة أبي
العباس ([340]).
[133] محمد بن عائذ ، أنا الوليد ، عن أبي حريش
الكناني ([341]) ، قال: كنا
في سنة خمس يعني وثلاثين ومئة وعبد الله بن علي يومئذ بدابق على صائفة الناس ،
ومعه من أهل الشام وغيرهم نحو من مائة ألف ، قال أبو الحريش : أظنه عام عمورية ،
قلنا : وما ذلك يا أبا حريش ؟ قال : غزونا الصائفة مع عثمان ابن حيان في خلافة
يزيد بن عبد الملك حتى نزلنا على عمورية ، وأقام عليها ستة وثلاثين منجنيقاً ،
وجدّ في حصارها وقتالهم إذ خرج رجل منا من كنانة من أهل فلسطين إلى البراز ، في
دير الحبيش الذي دونها ، فكلمه الحبيش ، وقال له في ذلك قولاً أتانا به عنه ،
فذهبنا به إلى عثمان بن حيان ، فأخبره بمقالته ، فركب معه حتى وقف على الحبيش ،
وأمر صاحبنا أن نكلمه ، فتقدم فكلمه ، فقال : إني قد أخبرت أميرنا بمقالتك ، وها هو
ذا قد أحب أن يسمعه منك ، قال الحبيش : أجل هو كما قلت لك : لا تقدرون على فتحها
حتى يكون الذي بينكم رجل من أهل بيت نبيكم ، وحتى يكون فيكم قوم شعورهم شعور
النساء، ولباسهم لباس الرهبان ، فيومئذ يفتحونها ، فوالله لكأني أنظر إليهم
يدخلونها من هذا الباب ويخرجون من ذاك .
قال أبو الحريش : فعاد عثمان إلى منزله ، وأمر بتحريق المجانيق ، وأمر
منادياً ينادي : يا أيها الناس أصبحوا على ظهر مغيرين إلى داخل أرض الروم ، ففعل
الناس فمضى ، ثم قفل بنا ([342]).
[134] محمد
، قال : فلما كان سنة ست وثلاثين ومائة أغزى أبو العباس جماعة من أهل الشام
والجزيرة والموصل كما كانوا يغزون ، وأغزى جماعة من أهل خراسان وأهل العراقين ،
وولى على جماعتهم عبد الله بن علي ، وأمره بالإدراب ، وولى أبا جعفر عبد الله بن
محمد الموسم ، معه أبو مسلم ، فشخص عبد الله عن دابق حين نزل دلوك([343]) يريد
الإدراب ، فتوفي أبو العباس يوم الأحد لاثني عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين
ومائة ، وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر ، وعهد إلى أبي جعفر في مرضه ، وعيسى بن
محمد ، وعيسى بن علي ، ومن كان بالأنبار منهم ، فرأوا كتمان عبد الله بن علي ذلك ،
ليتم إدرابه ، وكتبوا إلى صالح بن علي - وهو بمصر - بولايته على عمله الأول ، وعلى
من كان يليه عبدالله بن علي من الشام ، ويأمرونه بالمسير إلى ذلك ، فمر الرسولُ
بذلك إلى علي بن صالح بن علي بقريب له بحلب ، فباح به إليه ، واستكتمه إياه يوماً
وليلة ومضى الرسول ، فأخبر بذلك المُستكتَمُ عاملَ عبد الله بن علي على حلب ، فكره
أن يكتب بما لا ينفقه إلى عبد الله بن علي ، فأرسل في طلب الرسول ، فأدركه بقليل ،
فأخذ كتابه ، فبعث به إلى عبد الله بن علي - وهو بدلوك - فقرأه ، فجمع إليه الناس
، ونعى أبا العباس، ودعا إلى نفسه ، واستَشهد حميدَ بن قحطبة وأصحاباً له أن أبا
العباس قد كان جعل له العهد في مسيره إلى مروان في الزاب إن هو هزمه ، فشهدوا له
بذلك ، فبايعوه بالخلافة ، وانصرف عن الإدراب ، ومضى يريد العراق فمر بحران ،
وفيها موسى بن كعب عامل لأبي جعفر على من خلف بحران من ولده وأهل بيته وأمواله ،
فحاصرهم أربعين ليلة ، وقدم أبو جعفر العراق فوجه إليه أبا مسلم في نحو من أربعين
ألفاً ، فقاتل عبد الله بن علي فاتحة سنة سبع وثلاثين ومائة وأشهر حتى هزمه الله ،
واجتمع الأمر لأبي جعفر في سنة سبع وثلاثين ومائة ، فلم يكن للناس في تلك السنة
صائفة ، إلا أن أبا جعفر كتب إلى صالح ابن علي في ولايته الشام وما كان يليه من
مصر ، ويأمره بالمسير إلى مقدم الشام، فقدم فنزل دير سمعان وحلب وما يليها ، فكان
ذلك أمناً للبلاد في تلك السنة . ثم غزّا أبو جعفر سنة ثمان وثلاثين ومائة جماعةً
من أهل الشام والجزيرة والموصل ومن كان مع صالح بن علي من جيوش أهل خراسان ([344]) .
[135] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم
: ثم لما أفضى الأمر إلى أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله بن محمد أغزى صالح بن
علي ([345]) في سنة
ثمان وثلاثين ومائة ، في نحو من سبعين ألفا . ثم أغزى عبد الرحمن بن إبراهيم ،
والحسن بن قحطبة ([346]) في سنة تسع
وثلاثين ومائة في سبعين ألفاً ملطية ، وأمضى طائفة منهم إلى أرض الروم ([347]).
[136] محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم
: ثم لما أفضى الأمر إلى أمير المؤمنين أبي جعفر عبد الله بن محمد أغزى صالح بن
علي ، ثم أغزى عبد الوهاب بن إبراهيم ، والحسن بن قحطبة ، وكان من ذلك إغزاؤه
العباس ابن محمد إلى حصار أهل كمخ في نحو من ستين ألفا ([348]).
[137]
محمد بن عائذ ، قال : قال الوليد بن مسلم : لما أفضى الأمر إلى أمير
المؤمنين إلى أبي جعفر عبد الله بن محمد غزا صالح بن علي سنة ثمان وثلاثين ومائة
في نحو من سبعين ألفاً .. قال ابن عائذ : واجتمع الأمر لأبي جعفر في سنة سبع
وثلاثين ومائة فلم يكن للناس صائفة ، إلا أن أبا جعفر كتب إلى صالح بن علي في
ولايته على الشام وما كان يليه من مصر ، ويأمره بالمسير إلى مقدم الشام ، فقدم ،
فنزل دير سمعان ([349]) وحلب وما
يليها ، فكان ذلك أمناً للبلاد في تلك السنة . ثم أغزا أبو جعفر سنة ثمان وثلاثين ومائة جماعة من أهل الشام
والجزيرة والموصل ومن كان مع صالح بن علي من جيوش أهل خراسان . وأغزا العباسَ بن
محمد ([350]) في جماعة
من أهل الشرق ، واستعمل على جماعتهم صالح ابن علي ، فولى صالح مقدمته عامر بن
إسماعيل الجرجاني ، وعلى الميمنة العباس ابن محمد ، وعلى الميسرة عبد الله بن صالح
، فأدربهم صالح حتى أتى دارتين([351]) وما يليها
. ثم فعل سنة تسع وثلاثين ولم يلق جيشاً ، ولم يفتح مدينة، ولم يغنم غنائم مذكورة
، فانصرف الناس في عافية . ثم أمر صالح بن علي بالمعسكر بدابق بمن معه من أهل
خراسان في سنة اثنين [هكذا] وأربعين ومائة . ثم أغزا صالح بن علي في سنة ثلاث
وأربعين ومائة بمن معه من أهل خراسان وبعثاً ضربه على أهل الشام ليس بالكثيف ،
وأمره أن يعسكر بهم بدابق ، ففعل ، ووجه هلال بن ضيغم السلامي - من أهل دمشق - في
جماعة من أهل دمشق ، فبنوا على جسر سيحان حصين أذنة ([352]).
[138] وعن ابن
عائذ ، قال : ووجه يعني المنصور في تلك السنة - يعني سنة اثنتين وأربعين ومائة -
عبد الوهاب بن إبراهيم ([353]) ، معه
الحسن بن قحطبة في جماعة من أهل خراسان وأهل الشام والجزيرة والموصل ، وأمرهما أن
يبنيا ما خربته الروم من حائط لملطية ، وإعادته علىماكان ([354]).
[139] قال أبو العباس الوليد : وقد سمعت من شهد
ذلك اليوم - يعني يوم قاتل ابن أسيد الخزر - في ولاية بني العباس ([355])، قال :
وركب ابن أسيد على بغلة له شهباء ، وقد تعبأ الناس وتهيأوا ووطنوا أنفسهم على
القتال ، وأقبل ابن أسيد على الناس بوجهه ، فوعظهم وحرضهم ، وقال لهم في ما يقول:
يا معشر المسلمين وأبناء المهاجرين والشهداء إن الله قد أنعم عليكم وأحسن إليكم أن
رزقكم الله هذا الأجر ، وساقكم إلى هذا الموضع ، وجعلكم ممن يختم عمره بالشهادة في
سبيله ؛ التي يكفر بها ذنوبكم ، ويدخلكم بها الجنة ، ويزوجكم من الحور العين ،
وقابلوا الله في هذه المواطن بالحسنى ، واستحيوا من الله أن يطلع من قلوبكم على
ريبة أو خذلان أو فرار من الزحف ، فإن الله مقبل عليكم بوجهه ، وقد اطلعت عليكم
الحور العين ، وزخرفت الجنة ، وأنتم أبناء الشهداء ، ومن فتح الله بهم القلاع
والمدائن والحصون وجزائر البحور ، وليس موت بأكرم من القتل ، فلا يحدثن إنسان نفسه
أن تزول قدماه من مكانهما لفرار ولا هرب ، فوالله لو فعل ذلك فاعل منكم ليخطفه أهل
هذا الجبل وهذه الأمم ولكانوا أعدى العدو له ، فاستودعوا دماءكم هذه البقعة فإنها
بقعة طيبة ساقكم الله إليها وأكرمكم بها ، واعلموا أنه آخر يوم من الدنيا، وأول
يوم من الآخرة ، وإنما تقاتلون من لا يعرف الله ولا يوحده ومن يعبد الشمس والنار
ويأكل الميتة ، لا يعرف له رباً ناداً عن التوحيد وأهله ، فلتصدق نيتكم ، وليحسن
ظنكم بثواب ربكم ، وإنجاز موعده لكم ، وقد استخلفت عليكم عبد الرحمن بن أسيد إن
أصابتني مصيبة ، ثم تقدم ابن أسيد إلى كل جند في الصف فكلمهم بهذا الكلام ، ثم
انصرف إلى الميسرة فكلمهم بمثل ذلك، ثم رجع إلى موضعه فنزل عن دابته ، وذكر الحديث([356]).
[140] قال ابن عائذ ، نا الوليد ، قال : غزوت
قبرس سنة ست وأربعين ومائة مع العباس بن سفيان الخثعمي ، فكان أول جيش من المسلمين
غزوا قبرس في ولاية آل الرسول([357]).
[141] ابن عائذ ، أخبرني عبد الأعلى بن مسهر ،
قال : كان على الصائفة سنة أربع
وخمسين زفر بن عاصم ، و في سنة ست وخمسين ومائة زفر ابن عاصم ([358]).
[142] محمد بن عائذ ، حدثنا الوليد ، قال : لما
أفضى الأمر إلى المنصور عبدِ الله بن محمد ولى صالحَ بنَ علي على الشام ، فوَلّى
غازية البحر يونس بن الليث العبسي ، ثم ولى المنصورُ العباسَ بن سفيان الخثعمي ،
فوليه حيناً ثم عزله، وولى مكانه عامرَ بن ربيعة السلمي ، ثم ولى بعده الغمرَ بن
العباس السكسكي، ثم ولى من بعده عبدَ الله بن الأسود المحاربي ([359]).
[143] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال : ثم ولى
يعني المنصور عبد الله ابن الأسود المحاربي يعني غزاة البحر ، ثم ولى جرير بن عبد
الملك العبسي([360]).
[144] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال : ثم ولى
يعني المنصور من بعده - يعني صالح بن علي - إبراهيمَ بن صالح([361]) جند دمشق
والأردن والبحر ، فولى البحر الوزير بن عبد الحميد النصري ([362]) ، ثم عزل
إبراهيم ، وولى ابن أبي عوف الكوفي ، ثم ولى علي بن صالح الأردن والبحر ([363]) .
[145] محمد بن عائذ ، نا الوليد ، قال : ثم ولى
يعني المنصور علي بن صالح الأردن والبحر ، فولى البحر عبد الله بن سعد ، ثم ولى
حميد بن معيوف([364]).
[146] محمد بن عائذ ، أخبرني عبد الأعلى بن
مسهر ، قال : كان على الصائفة في سنة ثلاث وخمسين معيوف بن يحيى ([365]) ، وفي سنة
ثمان وخمسين ومائة معيوف بن يحيى المذكور([366]) .
[147] نا ابن عائذ ، أخبرني عبد الأعلى بن مسهر ، قال : كان على
الصائفة في سنة خمس وخمسين ومائة يزيد بن أسيد ، وفي سنة سبع وخمسين ومائة يزيد بن
أسيد ([367]).
[148] ابن عائذ ، قال : واستخلف المهدي فولى
الصائفة سنة تسع وخمسين ومائة العباس بن محمد ، وفي سنة ستين ومائة ثمامة بن
الوليد العبسي([368]).
[149] محمد بن عائذ ، أخبرني عبد الأعلى بن
مسهر : أن عبد الكبير بن عبد الحميد غزا الصائفة سنة أربع وستين ومائة في خلافة
المهدي . قال ابن عائذ: فأخبرني الوليد بن مسلم أنه ولى عبد الكبير الصائفة على أربعين ألفاً من أهل الشام
والجزيرة والموصل ، فكان على أهل فلسطين محمد بن زيادة اللخمي، وعلى أهل الأردن
عاصم بن محمد من أهل الأردن ، وعلى أهل دمشق عاصم بن بحدل الكلبي ، وعلى أهل حمص
عبد الرحمن بن يزيد الكندي وذكر الحديث ([369]) .
[150] ابن عائذ ، أخبرني الوليد بن مسلم أنه
ولى عبد الكبير - يعني ابن عبد الحميد - الصائفةَ يعني في خلافة المهدي على أربعين
ألفاً من أهل الشام والجزيرة والموصل ، فكان على أهل فلسطين محمد بن زيادة اللخمي
، وعلى أهل الأردن عاصم بن محمد من أهل الأردن ، وعلى أهل دمشق عاصم بن بحدل
الكلبي ، وعلى أهل حمص عبد الرحمن بن يزيد الكندي ، وعلى أهل قنسرين وعلى أهل
الجزيرة ابن مدحرج الربعي ، وعلى أهل الموصل ابن العراهم الأزدي من السحاج ، وأنه
نزل دابق وذكر الحديث بطوله ([370]) .
[151] أبو
عبد الله ابن عائذ ، قال : فذكر الوليد عمن أخبره : أن المهدي أمير المؤمنين ولى
ابنه هارون الصائفة ، وكان فيها من أهل الشام وأهل خراسان وأهل الكوفة والبصرة
ومتطوعة أهل الحجاز واليمن مئتان وثمانية آلاف ، فكان على أهل فلسطين محمد بن
زيادة اللخمي ، وعلى أهل الأردن عبد الملك بن الدهاث ، وعلى أهل دمشق معيوف بن
يحيى الحجوري ، وعلى أهل حمص عيسى بن عمر الكندي ، وذكر بعض الغزاة ([371]).
[152] قال ابن عائذ: واستخلف موسى بن محمد،
فغزا سنة تسع وستين ومائة معيوف بن يحيى ([372]).
[153] محمد بن عائذ ، قال : أستخلف هارون بن
محمد ، فغزا في سنة إحدى وسبعين ابن الأصم ، وفي سنة اثنتين وسبعين ومائة عبد
الملك بن صالح([373]) ، ولم يكن
للناس صائفة حتى غزا القاسم بن هارون أمير المؤمنين سنة ثمان وثمانين ومائة ([374])
[154] محمد بن عائذ ، قال : ثم غزا أمير
المؤمنين عبد الله بن هارون سنة خمس عشرة ومائتين ([375]) ؛ فافتتح
قرة وحصوناً معها على صلح فأخرجهم منها وخربها ، منها حربلة ، ووجدهم قبل أن
يتحصنوا ، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم ، ونزل على الحصن وخربه ، وحصناً يقال له :
لاما ، فاستنزل أهله بالأمان على أنفسهم وأموالهم ، وهدم الحصن وخربه ، وحصناً يقال له : زلزلن، على مثل ذلك ،
فهدم الحصن وخربه ، وحصناً يقال له : بروله ، فتحصنوا وحاربوه ، فرماهم بالمجانيق
، فاستشهد جماعة من المسلمين ، وقتل من الكفار عدة ، ثم طلبوا الأمان ، فأعطاهم ،
وهدم الحصن وخربه ، وخلف بها عسكره ، ثم مضى إلى حصن يقال له : فونة ، فاستنزلهم
بالأمان ، ثم مضى إلى حصن يقال له : ولاقوس ، فتحصنوا ورموا بالحجارة ، ثم سألوا
الأمان فأعطاهم ، ثم هدمه وخربه .
ثم غزا سنة سبع عشرة ومائتين ، فحاصر لؤلؤة ، ثم انصرف عنها وخلف عليها
قائداً من قواده يقال له : عجيف ،
فأسروه ، ثم خلي سبيله . ثم غزا في سنة ثمان عشرة ومائتين ([376]) ، فمات فيها
بأرض الروم، سنة ثمان عشرة ومائتين ، وكانت خلافته عشرين سنة ، ومات ابن ثمان
وأربعين سنة وشهرين أو ثلاثة ([377]) . هذا آخر ماتيسر جمعه من هذا الكتاب
والحمد لله أولاً وآخراً ، وصلى الله تعالى وسلم على نبينا محمد وآله ومن تبعهم
بإحسان .
الحواشي
والتعليقات
(1)قال في لسان
العرب : الصائفة الغزوة في الصيف ،
وقال : تشتى المكان أقام به في الشتوة ، مادة ( صيف ) و (شتا ) ، فالمقصود بالصوائف الغزوات التي كان يقوم بها
المسلون في بلاد الروم في الربيع و الصيف ، والشواتي التي كانت تحدث في فصل
الشتاء، لكن الغزو كان يتم غالباً في الصيف اتقاء الثلج والبرد ، فكان يطلق عليها
الصوائف ، انظر المعجم الوسيط ، مادة (صاف) . ويظهر لي من استقراء النصوص أن نظام الصوائف والشواتي
بدأ يظهر منذ وقت مبكر بعد استقرار المسلمين في بلاد الشام وانسحاب الروم عنها في
زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه ، حيث وقفت جبال طوروس حاجزاً طبيعياً بين الطرفين
، وبدأت الحرب سجالاً بينهما على المناطق الحدودية والتخوم ، فكان المسلمون كلما
اجتازوا الدرب في تلك الجبال الذي عرف بـ ( درب الحرب ) – وهو ما بين طرسوس
وبلاد الروم – (المشترك وضعاً والمفترق صقعاً ص 177) ، أو غيره من الدروب ، سميت
تلك الغزوة بصائفة أو شاتية .
(2)لم أعثر بعد
البحث في فهارس الكتب والمخطوطات على أيِّ مؤلف في هذا الموضوع ، لكن قرأت في
فهرست ابن النديم ص 146 ، وفي تاريخ دمشق 12/81 و 34/334، و 56/372 أن للواقدي
كتاباً اسمه ( الصوائف ) ، ولا يعرف عنه الآن شيء .
(3)احتوت تلك
الدراسة على : ترجمته ، تحصيله العلمي ، شيوخه ، توثيقه ، عقيدته ، أخلاقه ، وفاته
، ثقافته ومصنفاته التاريخية ، موارده ، تلامذته والرواة عنه ، أهمية كتبه ومنهجه
فيها ، اقتباس المتأخرين عنه في المرويات التاريخية .
(4)إن جميع
التواريخ المدونة في هذا البحث بالتاريخ الهجري ، ولذا فلن أتبعه بحرف الهاء الذي يدل عليه .
(5)الوليد بن
مسلم أكثر شيوخ ابن عائذ التصاقاً
به ومعظم مرويات ابن عائذ التاريخية جاءت عن طريقه ، وهو عالم أهل الشام في وقته
في المغازي والسير ، موصوف بالتدليس في الحديث مع الصدق ، توفي سنة 195 منصرفه من
الحج . انظر عنه التاريخ الكبير
8/215 ، و الجرح والتعديل 9/16 ، و ثقات ابن حبان 9/222 ، وتاريخ دمشق 63/274 ،
وتهذيب الكمال 31/86 ، والكاشف 2/355 .
(6)أحمد بن
إبراهيم البسري ، من أخص تلامذة ابن
عائذ به وأكثرهم رواية عنه ثقة .
ترجمته في تهذيب الكمال 1/252 ، وانظر تاريخ دمشق 53/289 ، وسير أعلام النبلاء
11/105 ، والكاشف 1/89
(7)مصادر هذه
المعلومات مذكورة بالتفصيل في البحث الآخر
الذي وردت فيه ترجمته مفصلة ، ولا أريد تكرارها هنا ، ولكن انظر على سبيل
المثال : تاريخ دمشق 53/288-294 ، و تهذيب الكمال 25/427 ، و سير أعلام النبلاء
11/104-107
(8)انظر مثلاً
: تاريخ خليفة ص 226 ، و ص 261
(9)تاريخ دمشق
10/354
(10)المصدر
السابق 50/173-174
(11)المصدر
السابق 65/117
(12)انظر المصدر السابق 11/297 ، و 56/347 ، و 6