الرضا بالقضاء

 

د. سالم بن محمد القرني

الأستاذ المشارك بكلية الشريعة وأصول الدين - جامعة الملك خالد

 

ملخص البحث

تضمن البحث مقدمة ، ثُمَّ تعريفاً للرضا ، والقضاء والقدر في اللغة ، وفي الاصطلاح ، ثُمَّ حقيقة الرضا ، وأقوال الناس فيه ، وهل هو مقام أم حال ؟ ، وأن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب ومن غير فعلها ، وفي كلا الحالتين فالموجد لها : الله ، وأمَّا الحال فشرعية هي : التصرف بما أمر الله ورسوله وترك ما نهيا عنه وغير شرعية ، وهي: السخط والاعتراض ، وعدم التسليم.

ثُمَّ الصلة بين الرضا والتوكل ، وأن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع القضاء ، والرضا بعد وقوعه وهو الثمرة .

ثُمَّ الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه ، والرضا وفعل الأسباب ، وبعض الشبهة ومناقشتها ، ومنزلة الرضا وفضـــله ، وأنواع القضاء :

الديني ، والمراد به ، والأمر به ، وحكم الرضا به .

الكوني ، والمراد به ، وأقسامه :

الأول : الموافق لمحبة العبد ، وإرادته ، ورضاه ، وحكم الرضا به .

الثاني : ما جاء على خلاف مراد العبد ، ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره ، وأنه قسمان :

أ - ما للعبد استطاعة ، واختياره ، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن ، وحكم الرضا به .

ب - ما ليس للعبد فيه اختيار ، ولا طاقة ، ولا حيلة في منازعته ، ومدافعته ، وحكم الرضا به .

ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب ، وقولي العلماء ، وأدلتهم ، والراجح .

الثالث : وهو الجاري باختيار العبد وقضاء الرب ، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه (( الرضا بالمعاصي )) وحكم الرضا به .

ثُمَّ بعض ما ينافي الرضا ؛ كالاعتراض على قضاء الله الشرعي ، وترك التوكل على الله ، والسخط بما قسم ، والحزن على ما فات ، والنياحة ، وتمني الموت لضر أو بلاء ، وعدم الرضا بالمقسوم من الرزق ، والجزع والهلع عند المصيبة .

ثُمَّ مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء ، وأسباب ضلالهم ودرجات الرضا عندهم ، ومناقشتهم .

ثُمَّ خاتمة بأهم النتائج ، وقائمة بالمراجع والمصادر .

         

المقدمة :

حمداً لله على نعمائه ، وجوده ، وكرمه ، ورضاه ، ونستعينه ، ونطلب الهداية والتوفيق والسداد منه ، ونستعيذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه ، ونسأله الرضا بعد القضاء ، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ، والقناعة بما قسم لنا ، من خير وإبعادنا عن الشر ، والإعانة على الصبر على القضاء ، والابتداء ، والاقتداء بمحمد - r -

أمَّا بعد : فالرضا بالقضاء مأمور به في كتاب الله ، وفي سنة المصطفى - r - وفعل الأنبياء ، والصالحين ، والصديقين ، والشهداء ، ومن اقتفى أثرهم ، واهتدى بهداهم ، وقد تعبدنا الله به ، وهو من كمال تحقيق العبودية لله - تعالى - ، وسبب للخلاص من الشرك ، وإكمال للتوحيد ، وخضوع ، وتسليم لأمر الله ، ونهيه ، ويقين بأن الأمر كله لله ، بيده كل شيء ، فهو المعطي لمن يشاء ، المانع لمن يشاء ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .

تحقيقه هداية ، يحمل على الإخلاص ، فيكون الباعث له في جميع الأعمال : امتثال أمر الله ، واجتناب نهيه ، والعلم بأنه ماشاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن، يقود صاحبه إلى الرضا بالقليل ، والعفاف عما في أيدي الناس ، ويبعده عن التملق لغير الله ، أو الانشغال بغير عبادة الله ، ورضاه ، أو إرضاء الناس بسخط الله ، ويورث العزم في متانة ، ويربط القلب ، فيمضي صاحبه حتى يبلغ الغاية([1]) .

فالمؤمن بالقضاء ، الراضي به ، صبور متجلد ، يتحمل المشاق ، ويتضلع بالأعباء ، وخاصة في العصور المتأخرة ، فكيف بالوقت الذي يكون { القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر }([2]) .

أمَّا ضعيف الرضا بالقضاء ، الذي لايقوى على احتمال المصائب ، ولايصبر على أدنى شيء منها ، فهذا لضعف إيمانه ، ورخاوة نفسه ، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير ، فما أن يصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر ، فتقض مضجعه ، وتؤرق جفنه ، وهي - وأكبر منها - لو وقعت لمن هو أقوى منه إيماناً ورضاً بالقضاء لم يلق لها بالاً ، ولم تحرك منه نفساً ، ولنام ملء جفونه رضيَّ البال، قرير العين .

فالذي يجزع لأتفه الأسباب ، قد يصل إلى الجنون ، أو الوسوسة ، أو تعاطي المسكرات ، على اختلاف مستوياتها ، أو قتل النفس ، أو الانتحار .

وما أكثر هذه الأمور في المجتمعات التي لاترضى بقضاء الله - تعالى - .

فالذي لايرضى بما يصيبه من المصائب : يدب إلى روعه القنوط ، ويظن أنها قاصمة الظهر ، ونازلة النوازل ، ويرمي نفسه في وحل اليأس ، وسجن الظلم .

أمَّا المؤمن بالقضاء والقدر ، الصابر على المصيبة ، وعن المعصية ، فلاتراه إلاَّ متفائلاً في جميع أحواله ، منتظراً الفرج من الله ، مؤقناً بأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً ، وأن العاقبة للتقوى ، وأن قضاء الله نافذ لا محالة ، فلايأس ، ولا قنوط ، ولا كسل ، ولا هوان ، ولا تهاون ، تسمو به الحال ، فيصل إلى منزل الرضا ، فيرضى عن الله ، ويرضى الله عنه .

 

سبب اختيار الموضوع :

ولقد كان السلف الصالح - من عهد النبوة وعبر القرون الفاضلة - على هذا الاعتقاد ، وهذا المستوى في الرضا بالقضاء ، بيد أنه ظهر بعد ذلك خلل في هذا ، من قبل غلاة المتصوفة ، الذين أهملوا الوحي ، وحكموا العاطفة ، وتسابقوا في ترك الأسباب ، والغلو في ذلك ، حتى قال بعضهم : { الرضا : ألا نسأل الله الجَنَّة ، ولانستعيذه من النَّار }([3]) ، وقال الآخر :

أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات([4])

ثُمَّ في هذا الزمان فرط كثير من المسلمين في الرضا بحكم الله ، شرعاً ، وكوناً ، وقدراً ، فضعف الرضا ، واليقين ، واتبعت الشهوات والشبهات ، وتأثر المسلمون بالطرق الشيطانية ، الصارفة عن الرضا بقضاء الله .

ولو ضربنا أمثلة عن التقصير ، في الرضا بالقضاء الشرعي ، أو القضاء الكوني في كل ميدان من ميادين الحياة العملية ، والعلمية ، التجارية ، والسياسية ، الدينية ، والمالية ، الأسرية ، والاجتماعية ، لطال بنا المقام .

ولكن أترك الأمر للقارئ الكريم ؛ ليطبق ما ذكرته في هذا البحث المتواضع، على واقع الناس في هذا الزمان ، آملاً ألا يغفل جانباً من جوانب الحياة ، سائلاً المولى عزّوجل أن يكتب المغفرة للجميع .

فلهذا وذاك رأيت أن أكتب في الرضا بالقضاء ؛ للحاجة الملحة إلى ذلك ، ولأنني لم اطلع على كتابة في الموضوع ، مفردة ، مرتبة متناولة لكل مسائل الرضا بالقضاء ، على هذا الترتيب الذي جعلته في هذا البحث .

وقد اشتمل البحث على هذه المقدمة ، وعلى تعريف الرضا والقضاء والقدر في اللغة والاصطلاح وبيان حقيقة الرضا بالقضاء ، وأقوال الناس فيه ، وهل الرضا مقام أم حال ؟ ، والصلة بين الرضا والتوكل ، والأمر بالرضا والحث عليه ، في القرآن والسنة وأقوال السلف ، ثُمَّ الرضا بفعل الله ، وحكم الرضا به ، والقضاء الشرعي وأدلته ، وحكم الرضا به ، والقضاء الكوني القدري وأدلته ، والمراد به ، وأقسامه :

1 - الموافق لمحبة العبد ، وإرادته ، ورضاه ، وحكم الرضا به .

2 - ماجاء على خلاف مراد العبد ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره ، وهو قسمان أيضاً :

أ ) - ما للعبد فيه استطاعة ، واختيار ، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن ، وحكم الرضا به .

ب) - ما ليس للعبد فيه اختيار ، ولا طاقة ، ولا حيلة في منازعته ومدافعته، وحكم الرضا به .

ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب ، وأقوال العلماء في ذلك ، وبيان الراجح منها .

3 - القسم الثالث من الكوني : وهو الجاري باختيار العبد ، وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله ، ويسخطه ، وينهى عنه { المعاصي } ، وحكم الرضا به .

وتفصيل تلك المسائل باختصار غير مخل - إن شاء الله - .

ثُمَّ ذكر بعض ما ينافي الرضا بالقضاء ، على وجه الاختصار ، مثل :

1 - الاعتراض على قضاء الله الشرعي الديني .

2 - ترك التوكل على الله .

3 - السخط بما قسم الله .

4 - الحزن على ما فات .

5 - النياحة .

6 - تمني الموت لضر نزل أو بلاء .

7 - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق .

8 - الجزع والهلع .

ثُمَّ مناقشة الصوفية في انحرافهم في الرضا بالقضاء ، على وجه الاختصار غير المخل - بإذن الله تعالى - .

هذا وقد آثرت الإيجاز ، مع الحرص على الوفاء بالموضوع ، ليسهل على القارئ والمطلع الإفادة ، وأسأل الله أن يسدد أعمالنا ، ويغفر زلاتنا وتقصيرنا ، وأن ينفع بهذا البحث ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 

الرضا في اللغة

الرضا : مصدر ، مقصور : ضد السخط ، والسخط : الكراهية للشيء ، وعدم الرضا به([5]) ، وفي حديث الدعاء : { اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء }([6]) ، وقد رضي يرضى رضا ورُضا ورِضواناً ورُضواناً - الأخيرة عن سيبويه([7]) - فهو راض من قوم رُضاة([8]) .

ورضيت عنك ، وعليك ، رضى ، ومثله : رضيت الشيء ، وارتضيته ، فهو مرضي ، ومرضو أيضاً ، على الأصل ، مقصور : مصدر محض ، والاسم الرضا ممدود([9]) عن الأخفش([10]) .

قال القحيف العقيلي([11]) :

إذا رضيت عليّ بنـــو قشير    لعمر الله أعجبنــــــي رضاها

ولاتنبو سيــــوف بني قشير   ولاتمضي الأسنة في صفاها([12])

عدّاه بعلى ؛ لأنه إذا رضيت عنه أحبته ، وأقبلت عليه ، فلذلك استعمل على بمعنى عن([13]) .

وقال ابن جني([14]) : وكان أبو علي([15]) يستحسن قول الكسائي([16]) في هذا، لأنه لما كانت رضيت ضد سخطت عدى رضيت بعلى ، حملاً للشيء على نقيضه ، كما يحمل على نظيره .

قال : وسلك سيبويه هذه الطريق في المصادر كثيراً ، فقال : قالوا كذا ، كما قالوا كذا ، وأحدهما ضد الآخر([17]) ، وقوله - جلّ وعلا - : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }([18]) تأويله : أن الله - تعالى - رضي عنهم أفعالهم ، ورضوا عنه ما جازاهم به .

وأرضاه : أعطاه ما يرضى به([19]) .

وترضَّاه : طلب رضاه ؛ قال :

إذا العجوز غضبت فطلق          ولاترضَّاهـــــا ولاتَملق([20])

أثبت الألف من ترضاها في موضع الجزم تشبيهاً بالياء في قوله :

ألم يأتيــك والأنباء تنمي        بِمَا لاقت لبون بني زياد([21])

والرضي : المرضي ، وارتضاه : رآه أهلاً ، والرجل الرضا([22]) أي العدل .

وقالوا : رضيت عنه رضا ، وإن كان من الواوي : لمكان الكسر وحقه : رضو .

قال أبو منصور([23]) : إذا جعلت الرضا بمعنى المراضاة فهو ممدود ، وإذا جعلته مصدر رضي يرضى فهو مقصور .

قال سيبويه : وقالوا : عيشة راضية ، على النسب أي : ذات رضا .

ومن الألفاظ التي بمعنى الرضا :

1 - الركون : كما في قول الله - تعالى - : { وَلاَ  تَرْكَنُوا إِلَي الَّذِيـنَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ }([24]) ، أي لاترضوا أعمالهم([25]) .

2 - العُتبى بالضم : بمعنى الرضا([26]) ، ومنه قوله - r - في الدعاء : { لك العتبى حتى ترضى }([27]) ، واستعتب : طلب أن يرضى عنه ، كما تقول: استرضيته فأرضاني

المعتب : المرضي ، ومنه الحديث : { لايتمنين أحدكم الموت إمَّا محسناً فلعله يزداد ، وإمَّا مسيئاً فلعله يستعتب }([28]) أي : يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ومنه في الحديث : { ولا بعد الموت من مستعتب }([29]) أي ليس بعد الموت من استرضاء ، لأن الأعمال بطلت ، وانقضى زمانها ، وما بعد الموت دار جزاء ، لا دار عمل([30]) .

3 - الدّقع : - محركة - الرضا بالدون من العيشة ، وسوء احتمال الفقر([31]) .

4 - القانع : كما في قول الله - تعالى - : { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }([32]) ، وهو من القنوع : الرضا باليسير من العطاء ، وقد قنع يقنع قنوعاً وقناعة بالكسر : إذا رضي ، وقنع بالفتح يقنع قنوعاً ، إذا سأله ، ومنه ما ورد في الحديث : { القناعة كنز لايفنى }([33]) لأن الإنفاق منها لاينقطع ، كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي([34]) .

والقناعة : الرضا بالقسم ، وبابه سلم ، وهو قنع وقنوع ، وأقنعه الشيء : أي أرضاه ، وقال بعض أهل العلم : إن القنوع أيضاً قد يكون بمعنى الرضا ، والقانع بمعنى الراضي ... ، ويجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطى قلّ أو كثر ، ويقبله ، ولايرده ، فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا([35]) .

6 - القنى : بمعنى الرضا ، ومنه قول الله - تعالى - : { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى }([36]) ، وقني الرجل - بالكسر - قنى ، بوزن رضا ، أي صار غنياً ، وراضياً ، والقنى - كإلى - : الرضا ؛ قناه الله ، وأقناه : أرضاه ، وأقناه أيضاً : رضَّاه ، ويقال : أعطاه الله وأقناه : أي أعطاه ما يسكن إليه([37]) .

7 - ويأتي الحمد بمعنى الرضا ، فيقال : بلوته فحمدته ، أي : رضيته ، ويقال : أحمد إليكم كذا : أي أرضاه لكم([38]) .

والرضا نقيض الغضب([39]) ، والغضبة ضد الرضا([40]) .

والرضا والغبطة : ضد الندامة والحسرة([41]) .

والرضا والوفاء : ملزوم أحدهما بالآخر([42]) .

والتسليم : بذل الرضا بالحكم([43]) .

القضاء في اللغة :

القضاء - ممدود - مصدر معرف ، أصله : قَضَايٌ ، لأنه من قضيت ، إلاَّ أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت([44]) ، فعله : قضى يقضي ، ومصدره : قضاء وقضية ، والفاعل : قاضٍ ، والقاضي : القاطع للأمور المحكم لها([45]) .

واستقضي فلان : أي جُعل قاضياً .

والقضايا : جمع قضية وهي الأحكام .

والقضاء يأتي بعدة معان ، منها :

1 - الفصل في الحكم ، يقال : قضى يقضي قضاءً إذا حكم وفصل ، قال - تعالى - : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }([46]) أي : لفصل وحكم بينهم([47]) .

2 - ويأتي بمعنى الإتقان ، والفراغ منه : فيكون على هذا بمعنى الخلق ، قال الله - تعالى - : { فَقَضَــاهُنَّ سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ }([48]) أي : ففرغ من خلقهن([49]) .

3 - بمعنى أداء الشيء وتمامه ، قال الله - تعالى - : { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَــاسِكَكُمْ }([50]) أديتم وفرغتم([51])، ويدخل في المعنى السابق .

4 - ويأتي بمعنى : إمضاء القدر ، كما في قوله - سبحانه - : { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ }([52]) أي : أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت([53]) .

5 - التمام : كما في قول الله - تعالى - : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ  ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ }([54]) فمعنى (( لقضي الأمر )) : لتم إهلاكهم([55]) .

6 - الإكمال والوفاء : ومنه قوله - تعالى - : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ }([56]) أي : فلما وفى ، وأكمل صاحبه الأجل([57]) .

7 - الحتم : ومنه قوله - تعالى - : { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً  وَأَجَلٌ مُّسَمًّي عِندَهُ }([58]) ، فالمعنى حتم بذلك .

8 - الصنع والعمل : يدل على ذلك قول الله - تعالى - : { فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ }([59]) أي : اصنع وافعل واعمل ما أنت صانع أو فاعل أو عامل([60])، وتقول : قضى الشيء قضاء صنعه وقدره .

وهذا هو القضاء الكوني القدري .

9 - الإعلام : ومنه قول الله - عزّوجل - : { وَقَضَيْنَآ إِلَى  بَنِي إِسْرَاءِيلَ فِي الْـكِـــتَــابِ }([61]) أي : أعلمناهم إعلاماً مقطوعاً به([62]) .

10 - إنهاء العمر أو الحياة : من ذلك ما ورد في قصة موسى - عليه السلام - من قول الله - تعالى - : { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ }([63]) أي : قتله وأنهى حياته بالوكز([64])

11 - الأمر([65]) : من ذلك قول الله - تعالى - في الوصية والأمر بعبادته - سبحانه - : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ }([66]) أي : أمر وأوصى ، أمراً محتوماً ووصية مقطوعاً بها([67]) .

وهذا هو القضاء الشرعي الديني .

وأكثر المعاني السابقة تعود إلى الفراغ ، وإتمام الشيء وانقطاعه ، وهناك اشتقاقات أخرى غير هذه ، ذكرها أهل اللغة ، يُرجع إليها في مظانها ، في مادة { قضى } والله الموفق .

 

القدر في اللغة :

القدر : بفتح القاف والدال : اسم يطلق على الحكم والقضاء ، أو القضاء الموفق([68]) .

ومن ذلك حديث الاستخارة ، وفيه : { فاقدره لي ويسره لي }([69]) .

وقال الله - تعالى - : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَـاهُ بِقَدَرٍ }([70]) أي : إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه([71]) .

وقال - سبحانه وتعالى - : { فَالْتَقَي الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  }([72]) أي : على أمر قد قدره الله ، وقضاه أي : قضاه في اللوح المحفوظ([73]) .

وقال - سبحانه - : { إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَـابِرِينَ }([74]) أي : قضى إليه فيها ؛ إنها لمن الباقين ثُمَّ هي مهلكة بعد([75]) .

وقال - سبحانه - : { إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }([76]) وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق ، وتقضى([77]) .