توظيف التصميم العمراني للحد من الجريمة في
المناطق السكنية
حالة دراسية
للأحياء السكنية المعاصرة بمدينة الرياض
علي بن سالم بن عمر
باهمـام
قسم العمارة وعلوم
البناء ، كلية العمارة والتخطيط، جامعة الملك سعود
تزداد مشكلة الأمن في المدن الكبيرة، نظراً
لاتساع أحيائها السكنية، وزيادة كثافتها السكانية، فضلاً عن اتساع نشاطها
الاقتصادي بما يصحبه عادة من ضعف في العلاقات والمفاهيم الاجتماعية التقليدية. وقد اتسع النطاق العمراني لمدينة الرياض
خلال العقدين الماضيين، وانتشرت معه المناطق السكنية المعاصرة التي تم تصميم
وتخطيط غالبية أحيائها بطرق تختلف عن النمط التقليدي. وتوجد العديد من الطرق
العقابية والعلاجية والوقائية للحد من الجريمة وإشاعة الأمن في المناطق العمرانية
، كما يلعب أسلوب تخطيط وتصميم البيئة السكنية وطريقة تشكيلها دوراً هاماً وفعالاً
للغاية في تقوية العلاقات الاجتماعية بين السكان، وإحساسهم بالأمن ومشاركتهم
الفعالة في إيجاده، وفي تقليص الفرص المتاحة للجريمة، والرفع بالتالي من مستوى
الأمن في الأحياء السكنية. وفى هذه الدراسة تمت مناقشة جوانب التصميم العمراني
المؤثرة في الرفع من مستوى الأمن بالأحياء السكنية، وإبراز أهم المعايير التصميمية
المساهمة في تحسين بيئة الأحياء السكنية من خلال خفض فرص الجريمة بها، وتقويم مدى
تطبيق هذه المعايير في عدد من الأحياء السكنية المعاصرة بمدينة الرياض وتحديد
جوانب القصور فيها. وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن الكثير من المعايير التصميمية
التي تساهم في الحد من الجريمة قد تم إهمال تطبيقها في غالبية الأحياء السكنية
المعاصرة في مدينة الرياض. كما ظهر
أن تطبيق معيار واحد فقط، يتمثل في تحويل الشوارع العابرة بحي النزهة إلى مجموعة
من الشوارع ذات النهايات المغلقة، ينتج عنه تحسن ملحوظ في تحقق العوامل التي تساهم
في الحد من الجريمة في المناطق السكنية.
وفي هذا مؤشر واضح إلى إمكانية القيام بإجراء الكثير من التعديلات
الإيجابية على القائم من الأحياء السكنية المعاصرة.
كلمات الفهرسة: الرياض، العمران، الأحياء،
السكن، الأمن، الجريمة، أنماط، معايير.
Applying
Urban Design to Prevent Crime in Residential Areas
A Case Study
of the Contemporary Neighborhoods in Riyadh
The problem of crime increases in
large cities, due to the expansion of the residential neighborhoods and the
growth of the population, as well as the increase in the economic activities,
which is usually accompanied with weakness in the traditional social
relationship concepts. Riyadh’s
urban limit has expanded simultaneously with its contemporary residential areas
during the last two decades. The design and planning of these neighborhoods
were
executed differently from the
traditional pattern. Punishment, rehabilitation, and preventive means have been
applied to limit crime and spread security in urban areas. Despite that, the design and planning
method of residential areas plays an essential and active role in strengthening
the social relation among residents.
It also gives them a feeling of security, and allows them to participate
in reducing the potential of criminal activities and increasing the level of
security within their neighborhoods.
Therefore, the aim of this paper is: first, to discuss the role of urban
design in increasing the level of security in residential neighborhoods.
Second, to present the most important and effective criteria
for improving the residential environment and reducing crime opportunity in
residential areas. Third, to
evaluate the application level of these criteria in a number of Riyadh’s
contemporary residential neighborhoods, in order to determine the insufficiency
in their design and planning in relation to the security issue. The study shows
that the application of many design criteria, which play a role to reduce
crime, have been ignored in most of Riyadh’s contemporary neighborhoods. It also shows that reapplying one
criterion, via changing through-traffic streets to dead-end streets in Al-Nuzha
neighborhood, creates noticeable improvement. This clearly indicates the possibility to make sizable
positive alterations to improve the contemporary residential
neighborhoods.
Key words: Riyadh,
urbanization, neighborhood, dwelling, security, crime, patterns, criteria.
![]()
شهدت المملكة العربية السعودية خلال العقود
القليلة الماضية نهضة تنموية شاملة، تميزت بسرعة مواكبتها للمعطيات المعاصرة. وتجسدت شواهد التنمية والتغير بشكل واضح
في مدن المملكة التي شهدت تجربة عمرانية هائلة بشكل عام ونمواً كبيراً في قطاع
الإسكان الذي يغطي الغالبية العظمى من النطاق العمراني للمدن بشكل خاص. فعندما تأسست المملكة العربية السعودية،
في عام 1353هـ –
1932م، كانت الرياض –
على سبيل المثال –
مدينة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلو مترات مربعة وذات نسيج عمراني تقليدي،
ولا يزيد عدد سكانها عن ثلاثين ألف نسمة (الحصين 1417هـ). ومنذ ذلك الوقت نمت مدينة الرياض لتصبح
عاصمة حضارية حديثة تبلغ مساحة نطاقها العمراني بمرحلتيه الأولى والثانـــية
(1782كم2)، وتغطي حدود المدينة المطورة في الوقت الراهن حوالي (800كم2) تشكل نسبة
الاستعمالات السكنية فيها أكثر من (80%)، ويسكنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة
(الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض 1420هـ). وقد اعتمد في غالبية هذا النمو الكبير والسريع على استخدام نمط
عمراني ومعماري جديد ومختلف عن النمط التقليدي. حيث تميز النمط الإسكاني الحديث بالشوارع الشبكية المستقيمة
ذات التصميم الموجه لحركة السيارات، وكذلك بالوحدات السكنية المنفصلة (الفيلات)
ذات الارتدادات من جميع الجهات.
وانتهت بذلك سيطرة السكان على الطرق والساحات الخارجية المشتركة لانتقالها
من الإذعان المتحد سابقاً، بين السكان المجتمعين كفريق واحد في النسيج العمراني
التقليدي، إلى الإذعان المشتت في النسيج العمراني المعاصر (أكبر 1412هـ).
أثرت العديد من العوامل الدينية والمناخية
والسياسية والاجتماعية على النسيج العمراني التقليدي في المدن العربية. ونتيجة لذلك نجد أن جميع المباني في الحي
متداخلة من دون حدود أو علامات بارزة وكأنها نسيج من التمويه المتعمد الذي يلغي
الفردية ولا يشجع عليها. فيصعب على
العابر في الحي تمييز حجم أو حدود المسكن في النسيج العمراني التقليدي للمدن،
والجزء القديم من مدينة الرياض مثل على ذلك. فالعابر في الطرق والممرات والأزقة المتعرجة للنسيج التقليدي
لا يستطيع تحديد حجم أو هوية المسكن ومستوى ثراء الأسرة من الخارج، حيث تظهر جميع
المباني متشابهة عند النظر إليها من الخارج، وذلك راجع للتوحد في استخدام مواد
البناء وطريقة إنهاء المباني من الخارج (Ishteeaque 1993). يتميز نظام الطرق في النسيج التقليدي بالتتابع والتدرج الهرمي من
العام إلى شبه العام إلى شبه الخاص فالخاص.
بحيث تظهر كل منطقة بحدودها الواضحة وهويتها المستقلة ووظيفتها المميزة،
مما يحد من عبور الغرباء غير المرغوب فيهم، ويمكن السكان من إدراكهم بوضوح عند
تواجدهم داخل الحي، كما يمنحهم السلطة النفسية لسؤالهم والاستفسار عن سبب وجودهم.
كما أن الانحراف في المجتمعات التقليدية يكاد
يكون معدوماً بسبب قوة عوامل الضبط الاجتماعي والأسري وخضوع الفرد خضوعا كاملاً
لقيم وتقاليد المجتمع (السيف 1410هـ).
ولأن طبيعة المجتمع المحلي تعد من أهم المؤثرات الاجتماعية على سلوك الفرد،
فإن نوعية الجرائم التي تسود في الريف تختلف عن نوعية الجرائم التي تسود في الحضر
أو المدن، كما أن هناك علاقة بين الجريمة وطبيعة المنطقة السكنية. حيث يتسم نمو العمران الحضري للمجتمعات
باختلاف الثقافات وانتشار العلاقات السطحية أو غير العميقة بين أفراد المجتمع، وهو
ما يؤدي إلى انتشار نوع من "الفوضى" التي تشجع على الجريمة (عبدالله
1411هـ). فتركيز السكان وزيادة
كثافتهم في المدن الكبرى وتعدد العلاقات الاجتماعية وتشابكها يؤدي إلى تناقض مفهوم
التكافل الاجتماعي بالقياس بأهل الريف، وهذه الخاصية في حياة المدن الكبرى تؤدي
إلى ظهور العديد من مظاهر الانحراف والجريمة (خليفة 1987م). يخبرنا تاريخ البحث
الاجتماعي في ميدان المدينة والجريمة بأن هناك تلازما بين الانحرافات السلوكية
واتساع العمران. بمعنى آخر أن كبر
حجم المدينة وتعقيد العلاقات فيها يصاحبه تحلل من التقاليد وضعف في الضبط الاجتماعي. كما كشفت العديد من الدراسات عن وجود
علاقة طردية بين زيادة نسبة الجريمة وكبر حجم المدينة من حيث الكثافة السكانية
(الحماد 1405هـ). فالعلاقات بين
سكان المدن الحديثة تتجه نحو الفردية والنفعية وضعف التماسك الاجتماعي، وتفقد
بالتالي العادات والتقاليد والأعراف
الكثير من قوتها مما يساعد على تطور الجريمة وأشكالها وأنواعها والأساليب
المستخدمة في ممارستها (الربايعة 1404هـ).
وتتسم المدن الكبرى بترامي أطرافها واتساع
مساحتها اتساعاً مصحوبا بالعديد من الطرق الرئيسة والفرعية، وكذلك بتعدد وتنوع
أحيائها. كما تتسم بوجود علاقات اجتماعية متشابكة ومعقدة لكثافة سكانية كبيرة في
منطقة جغرافية محددة، وارتباطها بنشاط اقتصادي وتجاري واسع. لذا فإن التطور المستمر والنمو المتواصل
للمجتمعات في المدن الكبرى يفرز دائما أنواعا مستحدثة من السلوك الإجرامي (عبدالله
1411هـ). مما لا شك فيه أن للتحضر في المدن الكبرى العديد من المظاهر الإيجابية
التي من أهمها ارتفاع مستوى معيشة ودخل الأفراد، وانتعاش الحياة الاقتصادية،
وتزايد نسبة المتعلمين، وارتفاع مستوى أداء الخدمات مقارنة بحياة الريف. إلا أن له أيضاً مظاهر سلبية مثل التباين
الكبير بين الطبقات الاجتماعية، وبروز مشكلات الهجرة الخارجية والداخلية سعيا لرزق
أوفر، التي يصاحبها في العادة زيادة مشكلات الشباب، وضعف الوازع والروابط العائلية
والأسرية وتفككها في بعض الأحيان، وغيرها من المظاهر السلبية (عبدالله 1411هـ). فعندما تتسع المدينة وتصبح ذات كثافة
سكانية مرتفعة يرتفع بها مستوى الاحتياجات الإنسانية مما قد يتسبب في ازدياد القلق
النفسي بين الشباب، كما أن توفر سبل ووسائل الاتصال بين شتى دول العالم قد يساعد
على انتقال أنماط الجريمة والانحراف من مكان إلى آخر وخاصة في المدن. كما ترسل المدينة للفرد خطابا مزدوجا
متناقضا تتصارعه قوى السوق الخاضعة للمال وقوى الأخلاق وتعطي الحظوة للأولى على
حساب الثانية (بوكراع 1406هـ). يتضح مما سبق أن الجريمة - كشكل من أشكال الخروج
على قواعد الضبط الاجتماعي - ترتبط ارتباطا مباشرا بطبيعة الحياة في
المدن. ونجد بالتالي أن استقرار
الأمن في المدن الكبرى مرتبطٌ بجهود مختلفة ومتشعبة للأجهزة الأمنية ضد الجريمة،
سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
وممَّا زاد الأمر تعقيداً دخول العديد من المجتمعات العربية بشكل سريع في
مرحلة تمدن تختلف حضاريا وثقافيا عما اعتادت عليه. فتزعزعت نتيجة لعمليات التحضر السريعة الكثير من القيم
والعادات والمفاهيم التقليدية وظهرت الكثير من القيم الجديدة، خاصة تلك التي تعطي
المال أهمية كبرى. لقد استوردت
المجتمعات العربية في هذا العصر –
مثل الكثير من الدول النامية –
انساقاً قيمية صالحة للمجتمعات التي ولدت فيها، وبعض أساليب الحياة الغربية
العصرية التي قد لا تتفق مع طبيعة المجتمعات العربية وما تميزت به، ونماذج معمارية
وعمرانية مستجدة، فظهر التفكك والتشكيك في قيمها التقليدية، ولم تستطع المجتمعات
العربية لعوامل ثقافية وحضارية أن تتكيف مع تلك الأنساق المستوردة (حسون والرفاعي
1408هـ). وهو ما أفرز بعض التصدعات
في البناء الاجتماعي، ظهرت في صور شتى مثل التفكك الاجتماعي وضعف القيم البيئية
الأصلية وظهور بعض المشكلات المتصلة بالجريمة والانحراف، وغيرها من المظاهر
الاجتماعية السلبية، التي أدت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع، ونشر الخوف
في نفوس أفراده. فنجد - على سبيل المثال - أن برامج التنمية الطموحة، التي شهدتها
المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية والتي لا تزال تشهدها حتى وقتنا
الحاضر، تتطلب توافد الأيدي العاملة بأعداد كبيرة من مجتمعات وخلفيات ثقافية
وعرقية عديدة، حتى غدت المملكة الدولة الأولى في المنطقة في استيراد العمالة، وكان
لمدينة الرياض النصيب الأكبر من هذه العمالة الوافدة، ومما لاشك فيه أن هذه
العمالة تؤثر مع الهجرة الداخلية على شكل الهرم السكاني وحجم السكان وتركيبهم، حيث
تتطلب برامج التنمية اجتذاب فئات عمرية محددة كما تجتذب الذكور دون الإناث. وقد اتفقت العديد من الدراسات على أن
التغير الديموغرافي للمجتمع يحدث تغيرات اجتماعية هامة تعمل على هدم بعض القيم
السائدة أو التشكيك فيها، كما تبرز العديد من القيم الجديدة التي تتعارض مع بعض
القيم القديمة، مما يعرض المجتمع وتنظيماته إلى أنواع من التفكك والانحلال (حسون
والرفاعي 1408هـ).
كما نلاحظ أن نسبة تزايد الحضر في المملكة
العربية السعودية تسجل تصاعداً سريعاً، فقد كانت تمثل (9%) في عام 1950م وبلغت
(31%) في عام 1974م (حسون والرفاعي 1408هـ). وقد بلغت (76%) في عام 1995م ويتوقع أن تصل إلى (79%) في عام
2000م (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا 1995م). وبالنظر إلى معدل النمو السنوي للسكان في
مدينة الرياض، حسبما يظهر في الجدول رقم (1)، في كلٍّ من عام 1411هـ وعام 1417هـ
يتضح أنه كان على التوالي (8.80% و8.1%) سنوياً. بينما يمثل نسبة النمو الطبيعي منه فقط (3.30%) سنويا، ويعود
الفرق في معدل النمو السنوي هذا إلى نموّ الهجرة، حيث بلغ في عام 1411هـ (5.50%)
سنوياً وبلغ في عام 1417هـ (4.8%) سنوياً،
ويتضح أيضاً أن النمو الطبيعي المستقبلي المتوقع للسكان في الرياض حتى عام
1432هـ سوف يتراوح بين
(2-3%) سنوياً فقط.
بينما يعود كبر حجم النمو السكاني للرياض، والمتوقع أن يكــون بمعدل
(6-10%) سنوياً، إلى الهجرة التي من المتوقع أن تكون بين
(4-8%) سنوياً.
جدول 1. النمو
السكاني وعدد سكان مدينة الرياض.
|
نسبة
السعوديين |
غير
السعوديين |
السعوديون |
المجموع بالآلاف |
النمو
من الهجرة |
النمو
الطبيعي |
النمو
السنوي |
العام
الهجري |
|
61% |
543 |
845 |
1389 |
|
|
|
1407 |
|
66% |
752 |
1331 |
2004 |
5.50% |
3.30% |
8.80% |
1411 |
|
68% |
1000 |
2100 |
3100 |
4.80% |
3.30% |
8.10% |
1417 |
|
73% |
1300 |
3500 |
4800 |
7.90% |
2.10% |
10.0% |
1422 |
|
77% |
1500 |
5000 |
6500 |
4.50% |
2.90% |
7.40% |
1427 |
|
80% |
1700 |
6800 |
8500 |
3.90% |
2.00% |
5.90% |
1432 |
المرجع: الهيئة العليا
لتطوير مدينة الرياض، مركز المشاريع والتخطيط، إدارة البحوث والدراسات التخطيطية
(1419هـ).
ومن هذا يتضح حجم تأثير النمو من الهجرة على نمو
السكان في مدينة الرياض وما يترتب عليه من نمو حجم المدينة واتساعها.
لقد ظهر أن حوالي ثلث الجرائم حوالي (30.2%) من
المجموع الكلي للجرائم المرتكبة في مدينة الرياض، خلال 1408-1410هـ، هي من جرائم
السرقة. وهي بذلك تمثل واحدة من
أعلى أنواع الجرائم توزيعا على أحياء المدينة. حيث إن أغلب أحياء الرياض قد حدثت بها جرائم سرقة بصورة
متكررة. وقد أشارت العديد من
الدراسات إلى أن توزيع جريمة السرقــة يتأثر بمدى وجود الفرص التي تهيأ لارتكاب
تلك الجريمة (الخليفة 1413هـ).
وأظهرت دراسة عن الأمن في عواصم الدول العربية
أن جرائم الاعتداء على الأموال تتركز بصفة خاصة بالعواصم لتركز الحياة الاقتصادية
بها (عبدالله 1411هـ). كما أظهرت
دراسات أخرى أن جرائم الاعتداء على الأموال في المملكة العربية السعودية تشكل أعلى
نسبة من الجرائم. فقد أظهرت دراسة
أعدت في عام 1980هـ أن جرائم الاعتداء على الأموال بشتى صورها تشكل أكثر من ثلثي
مجموع الجرائم وهي مرتبطة بشكل قوي بمعدلات التحضر (أبو غار 1980م). ونجد أن هذه النسبة مماثلة للنسب
العالمية في المناطق الحضرية، ففي تقرير إحصائي خاص صادر عن الأمم المتحدة، يلخص
الجرائم المسجلة من 64 دولة بين عام 1970 –
1975م، وجد أن (72%) من الجرائم كانت جرائم ضد الممتلكات
(Crowe 1991).
إن بناء وإعمار المدن يعتبر أحد أعظم إنجازات
المجتمعات على مر التاريخ الإنساني.
وقد نمت المستوطنات البشرية في الماضي بشكل بسيط وبطيء مكّن الإنسان من
التطور والوصول إلى الأفضل من خلال التعلم عن طريق التجربة وتلافي الأخطاء، ولكن
إيقاع النمو السريع في عصرنا الحاضر يتطلب مراجعة تجاربنا العمرانية بشكل جاد
ومستمر. حيث يتبين من العرض السابق
أهمية العناية بدراسة الأمن في المناطق السكنية بالمدن الكبرى لتزايد أعداد سكانها
وترامي أطرافها، فضلا عن تميزها بنشاط اقتصادي وتجاري واسع، ذلك لأن هذه المتغيرات
تفرز دائما أنواعا مستحدثة من السلوك الإجرامي. كما أن في تعدد الطروحات، حول قضية الأمن في الأحياء السكنية
بمدينة الرياض ومشكلة ارتفاع مستوى الجريمة، بشكل متكرر في وسائل الإعلام المحلية
من صحافة مكتوبة، ورسوم كاريكاتيرية، وبرامج (مسلسلات) تلفزيونية، خلال السنوات
الثلاث الماضية دليل قوي على تفاعل المجتمع مع أهمية هذه الظاهرة. يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن حجم المدينة
ليس هو العامل الوحيد المؤثر في ارتفاع نسبة الجرائم في الأحياء السكنية، ولكن سوء
التصميم والتخطيط العمراني للمناطق والأحياء السكنية وما يترتب عليه، له تأثير
كبير على ضعف أو فقد العلاقات الاجتماعية بين السكان وبالتالي ازدياد الفرص
المتاحة لارتكاب جرائم السرقات في الأحياء السكنية. لذا فإن من دواعي إجراء هذا البحث مناقشة المعايير التصميمية
التي تساهم في خفض فرص الجريمة في الأحياء السكنية، وتقويم مدى تطبيق هذه المعايير
في الأحياء المعاصرة بمدينة الرياض.
خصوصاً وأن ترسيخ الأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي يعد من أهم أهداف خطط
التنمية في المملكة العربية السعودية.
استخدم المعماريون منذ أكثر من خمسة آلاف سنة
مفهوم تصميم وإدارة الفراغات المعمارية والعمرانية للتحكم في سلوكيات الناس بها. ولكن إيجاد بيئة سكنية (فاضلة) خالية
تماماً من الجريمة أمر غير ممكن، وإنما من الممكن خفض فرص الجريمة ورفع إحساس
الناس بالأمن، من خلال تطبيق المعالجات المعمارية والعمرانية في تصميم الأحياء
السكنية. ومن هذا المنطلق يهدف هذا
البحث إلى ما يلي:
1) مناقشة واستعراض
جوانب التصميم العمراني والمعماري المؤثرة في الرفع من مستوى الأمن بالأحياء
السكنية، وإبراز المفاهيم التي أهملت ولم تؤخذ في الاعتبار عند تصميم وتخطيط
العديد من الأحياء المعاصرة.
2) استنباط أهم
المعايير التصميمية المساهمة في خفض فرص الجريمة وتحسين بيئة الأحياء السكنية.
3) تقويم مدى
تطبيق هذه المعايير في مجموعة من الأحياء السكنية المعاصرة بمدينة الرياض،
واستكشاف جوانب القصور في أنماط تصميمها.
اعتمد هذا البحث على مراجعة واستعراض المعارف
والتجارب العالمية في مجال الرفع من مستوى الأمن في الأحياء السكنية وذلك عن طريق
إيجاد بيئة سكنية تحد من فرص الجريمة.
وتم خلال هذه المراجعة تحديد العوامل التي تسهم في تحسين مستوى الأمن في
المناطق السكنية وعرضها في شكل مجموعة من المعايير التصميمية. التي تم تطويرها لاحقاً إلى قائمة تقويم
تتكون من أربعة وعشرين عنصراً.
استخدمت هذه القائمة لتقويم عدد من الأحياء السكنية في مدينة الرياض لمعرفة
مدى تحقق هذه العناصر بها.
و فيما يلي تستعراض الدراسة أساليب الوقاية من
الجريمة، ومن ثم مناقشة الجوانب والعوامل العمرانية والمعمارية التي تحد من فرص
الجريمة في بيئة الأحياء السكنية، وعلى منح السكان الإحساس بالأمن، وكنتيجة
للمناقشة والاستعراض سيتم استخلاص المعايير التصميمية المؤثرة في هذا الجانب. وسيتم بعد ذلك تعريف بالوضع الراهن
لأربعة من الأحياء السكنية ذات التصميم والتخطيط العمراني المتميز، وحي سكني تم
إحداث بعض التعديلات عليه، بالإضافة إلى النموذج الشائع من الأحياء السكنية ذات
التخطيط الشبكي. وللتعرف على مدى
تحقق معايير التصميم المؤثرة في خفض فرص الجريمة بهذه الأحياء تم تصميم جدول
لتقويم وتحليل مدى تحقق العناصر التصميمية المؤثرة.
الوقـاية من الجريمـة
إن الاستقرار في الحياة العامة والازدهار
الاقتصادي والنمو الاجتماعي مرهون بإحساس المواطن بالأمن، وبسلامته في نفسه وحياته
وماله وأهله، لذا نجد أن الوقاية من الجريمة تحتل دائماً المقام الأول ضمن اهتمامات
الدول
(العواجي1407هـ). وعلى الرغم من أن هناك العديد من الأساليب الوقائية والعقابية
المطبقة للحد من الجريمة، إلا أن للبيئة العمرانية دوراً كبيراً في التشجيع على
حصول الجريمة أو الحد منها. ويرى
أنصار المدرسة التكاملية أن أسباب الجريمة ليست سببا واحدا بعينه بل هي أسباب
مجتمعة بعضها داخلي للفرد والبعض الآخر خارجي أي يتصل بالبيئة الخارجية للفرد
(عبدالله 1411هـ). ومن هنا يجب
دراسة السلوك الإجرامي بجهد متعاون بين علماء التخصصات ذات العلاقة.
يُعنى الدور الوقائي باتخاذ عدد من التدابير
التي من شأنها الحيلولة دون الخروج على قواعد الضبط الاجتماعي، وحفظ وصون القيم
الاجتماعية، وطمأنة الفرد على نفسه وماله والحيلولة دون وقوع الجريمة (مجاهد
1981م). وقد اعتمدت المجتمعات
الإنسانية على وسائل متعددة للوقاية من الجريمة والتصدي لها. وكان من ضمن هذه الوسائل القوانين
الجزائية والعقوبات، والتدخل الشرطي، والتدخل القضائي، والعلاج والإصلاح العقابي،
والبحث الجنائي. إلا أن هذه
التدابير لم تكن كافية لأنها لم تتوجه بصورة خاصة إلى معالجة أسباب الإجرام
والعوامل المؤدية إليها.
أثبتت الدراسات أن العقاب وحده لا يجدي لاستئصال
الجريمة من المجتمع (حسون والرفاعي 1408هـ). فهناك ثلاثة أساليب أساسية للحد من الجريمة: 1) أسلوب العقاب
الذي يعتمد على معاقبة المجرم بدرجة من الألم تفوق المتعة التي حصل عليها من
الجريمة لردعه عن تكرار الإقدام على ارتكابها، 2) أسلوب الإصلاح الذي يعتمد على
إلغاء الدوافع التي تدفع على الجريمة من خلال الاهتمام بالجوانب الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية للمجتمع ، 3) أسلوب الحد من توفر فرصة الجريمة الذي يعتمد
على تعديل البيئة بحيث لا تهيئ للمجرم الفرص المتاحة للجريمة (Crowe 1991). إن الوقاية من
الجريمة ليست حدثا جديدا في حياة المجتمعات الإنسانية، فهي على الدوام إحدى
اهتمامات الدول والحكومات. وقد اتخذت
الوقاية في العصر الحاضر سبلا جديدة تساند الوسائل التقليدية المتبعة أو تحدث فتحا
جديدا يؤمل في أن يؤدي إلى التصدي لظاهرة تطور الجريمة والفشل في وضع حد لتعاظمها.
إن الأمن كل لا يتجزأ، فالاهتمام بحلقة منه دون
الأخرى يؤدي إلى انفراط عقد الأمن، وتصبح الحلقة الضعيفة مصدر خطر على حلقات
العملية الأمنية في المجتمع. حيث
كان يعتقد حتى وقت قريب أن مسؤولية الوقاية من الجريمة في الأحياء السكنية تقع فقط
على عاتق قوة الأمن وأجهزته. فمفهوم
الوقاية من الجريمة يعنى لدى العديد من الناس الإمساك بالمجرم قبل أو حين إقدامه
على الجريمة، ويتم حسب هذا المفهوم الاعتماد بشكل كامل على الحرس ودوريات الأمن
التي تشكل عبئاً مادياً كبيراً. علماً بأن وقت وجهد الشرطة يصرف في الغالب إلى
متابعة الجرائم بعد وقوعها، كما أن زيادة حجم قوة الأمن لن يكون له تأثير يذكر على
خفض مستوى الجريمة في الأحياء السكنية، ما لم تكن الأحياء مصممة بشكل يساعد على
الرفع من مستوى الأمن بها. فقد اتضح
أن مشاكل الجريمة في المناطق العمرانية لا يمكن أن تحل فقط من خلال زيادة قوات
الأمن، وذلك لأن الآليات الاجتماعية التي كانت تدعم قوة الشرطة بدأت تنهار
وتتلاشى.
تعد الوقاية من الجريمة بمفهومها المعاصر الخطوة
الأولى لتخفيض فرصة حدوث الجريمة، من خلال إلغاء البيئة المشجعة على وقوعها،
وبالتالي عدم إغراء المجرم بالتفكير في الإقدام على جريمته. ولأن هناك ثلاثة عناصر يجب أن تتوفر
للشخص لكي يرتكب الجريمة: القدرة، والفرصة، والدافع. لذا فإن محاولة الرفع من مستوى الأمن من خلال التصميم المعماري
والعمراني سيؤدي إلى إلغاء أو خفض مقدرة المجرمين وفرصتهم على ارتكاب الجريمة،
وبالتالي سوف يؤثر على دوافعهم لارتكاب الجريمة (Stollard 1991). وعلى الرغم من أنه
لا توجد معادلة سحرية يمكن للمصمم تطبيقها عند تصميم الأحياء السكنية لمنع أو
إلغاء الجريمة بشكل نهائي، إلا أن هناك العديد من الحلول التصميمية التي يمكن
استخدامها لإيجاد بيئة سكنية ذات قابلية أقل لحدوث الأنشطة الإجرامية بها.
إن مبدأ مشاركة المجتمع في الوقاية من الجريمة
والصيانة من الانحراف مبدأ إسلامي قائم ضمن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر. فالإسلام منح الجماعة حق
الدفاع الشرعي عن أنفسهم ومجتمعهم، وأناط بهم مهمة تقويم الانحراف ووقاية المجتمع
من الجريمة. وعلى هذا فإنه يقع على
السكان مسؤولية القيام بدور الرقيب لصيانة المجتمع ووقايته من الجريمة
(الكبيسي 1410هـ). كما أن الإسلام لا يلغي أهل المحلة من
المسؤولية، فإذا وقع فيها حادث قتل –
على سبيل المثال –
فهناك في الإسلام "القسامة" وهي –
حسب المذهب الحنفي - أن يقول خمسون من أهل المحلـة إذا وجد فيها قتيل: ما قتلناه
ولا علمنا له قاتلا فإذا حلفوا يغرمون الدية (عبدالسلام 1408هـ). وفي هذا دليل قوي على أهمية إشراك السكان
في مكافحة الجريمة والحفاظ على الأمن في أحيائهم السكنية كعيون مساندة لرجال الأمن
في مهمتهم. إلا أنه لا يمكن أن يحمل
المجتمع هذه المسؤولية ما لم تكن البيئة العمرانية مصممة ومخططة بشكل ملائم، يقلل
من إتاحة فرص ارتكاب الجرائم، ويمنح السكان إمكانية المشاركة في المراقبة بملاحظة
الغرباء والأنشطة المشبوهة في أحيائهم السكنية.
إن توجه السكان نحو الإحساس بالأمن والمشاركة في
إيجاده والثقة في توفره مرتبط بالتصميم والتخطيط الفراغي والمكاني للحي
السكني. فقد وجد الباحثون بعد
دراسات مستفيضة أن استخدام التصميم والتخطيط العمراني هو أكثر الأساليب فعالية
للتحكم في مستوى الجريمة في المناطق السكنية (Poyner & Webb 1991). فعلى سبيل المثال،
وجد أن العمائر السكنية ذات المداخل المحصورة ضمن فراغ مشترك يقلل تعرض شققها
لجرائم السرقة مقارنة بالعمائر ذات المداخل غير المقيدة أو المفتحة بغض النظر عن
المتغيرات الأخرى كنوع الجنس العرقي للسكان، أو مستوى الدخل، أو الموقع (Roppertto 1974).
إن فهم علاقة تصميم وإدارة البيئة العمرانية
بالسلوك الإنساني مطلب مقدّم للتمكن من رفع مستوى نجاح محاولات منع وقوع الجريمة،
ذلك لأن نجاح هذه العلاقة يمنح السكان إمكانية التحكم والقوة اللازمة لحماية
حياتهم وبيئتهم. وتعتبر معالجة
الجوانب البيئية المؤدية إلى وقوع الجريمة، أو المشجعة عليها، أو المهيئة لها، أو
الموفرة للمناخ المناسب للجريمة، أحد الجوانب التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار. لقد وجد أن تكاليف التصميم المعماري
والعمراني للحد من الجريمة أقل من تكاليف زيادة قوات الأمن، وأقل كذلك من تكاليف
الصرف على توفير الحماية الفردية (أو الخاصة) للوحدات السكنية، والتي تجعلها تظهر
في النهاية وكأنها حصون أو قلاع وليست مساكن (Crowe 1991).
لقد إهتمت عدد من الدول الغربية منذ الستينات
الميلادية بالجوانب البيئية المؤثرة في السلوك الإنساني، واعتماد منهج جديد
للوقاية من الجريمة يعتمد على تشكيل البيئة العمرانية بما يساعد على الحد من
الجريمة، وعلى مساهمة المواطنين أنفسهم بصورة مباشرة كعنصر فعال في الوقاية من
الجريمة، والتعاون مع الشرطة في هذا المجال انطلاقا من كون الأجهزة الأمنية
بمفردها تعجز عن تأمين الأمن في المناطق السكنية إذا لم يتعاون معها المواطنون
(العواجي 1407هـ). وبهذا لا يُقترح
بالطبع أن يتولى السكان حماية أنفسهم من الجريمة ويتولوا إيقاف المتطفلين بشكل
شخصي، ولكن يقترح أن يتم توظيف مجال كامل من آليات المواجهة، التي تبين اهتمام
السكان بمراقبة الأنشطة المشتبهة، وتمكنهم من التحكم في الوضع داخل أحيائهم
السكنية. وسيتم فيما يلي مناقشة
العوامل المعمارية والعمرانية المؤثرة في تحسين البيئة السكنية كأسلوب للحد من فرص
الجريمة والرفع من مشاركة السكان في توفير الأمن، بعد ذلك سيتم استنباط مجموعة من
المعايير التصميمية التي يؤدي تطبيقها في الأحياء السكنية إلى تقليص فرص الجريمة
والحد منها.
الحلول والمعالجات الفردية:
أظهرت دراسة عن الإنسان والعمران في مدينة
الرياض بأن السرقات تعد واحدة من أكبر مشاكل الأحياء السكنية بالنسبة للسكان
(النويصر 1419هـ). لذا نجد أن من
الحلول الفردية التي يلجأ إليها السكان للرفع من مستوى الوقاية من الجريمة، في البيئة
السكنية المعاصرة، وضع حديد الحماية على النوافذ في الدور الأرضي والأدوار الأخرى
التي تعلوه، وكذلك حول وحدات التكييف النافذية (window type units)، وعلى مراوح التهوية (الشفط)، بالإضافة إلى المبالغة في رفع
الأسوار الخارجية. وإن كانت هذه
الحلول قد تجعل عملية اقتحام الوحدة السكنية تبدو أكثر صعوبة وأقل جاذبية للصوص (Miller 1980). إلا أن بعض هذه
الحلول الفردية في الحقيقة قد تجعل الأمر أسوأ، فالاعتماد على تقنية "تقوية
الأهداف" مثل استخدام حديد الحماية على النوافذ والأبواب قد يجعل المسكن يظهر
"كقلعة"، وبالتالي قد تدفع اللصوص إلى الهجوم بشكل أذكى أو أكثر عنفاً،
كما أنها تساهم في نفس الوقت في زيادة العزل الاجتماعي بين السكان، علماً بأن توفر
العلاقات الاجتماعية بين السكان عامل مهم في الرفع من مستوى المراقبة وبالتالي
الأمان في الحي. فقد وجد أنه كلما
زاد الترابط الاجتماعي بين سكان الحي كلما انخفض مستوى الجريمة به. كما أظهرت الأبحاث أن اللصوص يعولون على
موقع الوحدة السكنية والعناصر المحيطة والتوزيع العام للحي السكني بشكل أكبر من
المعالجات الفردية التي تستخدم من قبل السكان لتوفير الأمن لوحداتهم السكنية (Poyner 1983).
الحركة العابرة وسيطرة السيارات:
للرفع من مستوى الأمن في المناطق السكنية، يجب
مراعاة أن لا تخترق الأحياء السكنية أي طرق عابرة رئيسة، فهذه الطرق تمكن اللصوص
من العبور والمراقبة واختيار أهدافهم دون أن تتم ملاحظتهم كغرباء مشكوك بهم. حيث يمكن استخدام الساحات (courtyards) أو الشوارع السد (cul-de-sacs)، و استخدام الطرق الحلقية (loops)
للحد من المرور العابر في الحي، كما يمكن استخدام نظام فونرف (Woonerf system) المطبق في هولندا، الذي يعتمد على تخفيض سرعة السيارات وهيمنتها
بعدة أساليب، وإعطاء الأولية والسيطرة للمشاة. لقد أصبح التنقل داخل غالبية الأحياء السكنية المعاصرة في
المدن السعودية أمراً في غاية الصعوبة، ذلك لأن تصميم الشوارع في غالبية الأحياء
موجه لخدمة حركة السيارات ومشجع بالتالي على استخدامها في التنقل، حتى إنه أصبح من
المتعسر على السكان القيام بأي أنشطة داخل الحي سيراً على الأقدام (Bahammam 1995).
إن من أفضل المعالجات العمرانية على مستوى الحي
السكني أن نجعل حركة المرور تعبر من أمام جميع الوحدات السكنية ولكن بسرعة
منخفضة. فهذا يمنح السكان شعورا
بحرية وصول المشاة والسيارات وكذلك الشرطة بسرعة منخفضة تمكنهم من التعرف على
العابرين وتحد من دخول الغرباء. حيث
وجد أن هناك ارتباطاً قوياً وبشكل عكسي بين غالبية الجوانب التي يعنى السكان بها
أو يهتمون بتوفرها في أحيائهم السكنية مثل الأمن، والأمان، والعلاقات، والانتماء،
والراحة، والخصوصية وبين كثافة وسرعة الحركة المرورية في شوارع الحي (Homburger et al. 1989).
مشاركة السكان في المراقبة:
لا توجد، في الأبحاث الخاصة بالوقاية من
الجريمة، علاقة بين نوع المسكن ومعدل السرقات، وإنما وجدت هناك علاقة إيجابية بين
ازدياد معدلات الجريمة وسهولة الوصول إلى المسكن واقتحامه. لذا فإن العديد من الباحثين في هذا
المجال يعتبرون جريمة السرقات في الأحياء السكنية هي جريمة الفرصة المتاحة (Poyner 1983). فقد وجد أن انعدام
المراقبة وخلو المسكن أهم عاملين يؤثران على كيفية اختيار اللصوص لأهدافهم (Stollard 1991).
إن المراقبة العادية التي يقوم بها العابرون من
سكان الحي للمساكن مهمة لمنع الأنشطة الإجرامية (Jacobs 1964). كما أن هناك علاقة
بين ما يفعله الناس بشكل عادي –الأشياء اليومية- وإمكانية المراقبة والتحكم في
المداخل المتوفرة. فكلٌّ من الغرباء
والمستخدمين العاديين للفراغ العمراني يلاحظون ويميزون الإشارات البيئية التي توحي
بأن " هذا المكان آمن –
أو غير آمن". وإذا توفرت
البيئة التي تعطي إشارات عن توفر الأمن بشكل إيجابي، فإننا لن نحتاج إلى أجهزة
المراقبة ذات التقنية المتقدمة لتوفير الأمن. حيث نجد أن فاعلية المراقبة كآلية للتحكم الاجتماعي تزداد
عندما يعرف المراقبون (السكان) بعضهم البعض، وعندما يربطهم نطاق حيازي مشترك. حتى إنه وجد أن المجرمين يترددون في
ارتكاب جرائمهم في المناطق التي يدركون أنها تحت سيطرة ومراقبة سكان المنطقة (Stollard 1991).
لعدة سنوات كان هناك رفضٌ شديدٌ لوجود أنشطة
متنوعة ضمن المناطق السكنية مثل الأنشطة التجارية والصناعية الخفيفة، وهذا الرفض
قائم على أساس أن أفضل الأحياء من ناحية السعر والمستوى هي تلك التي تحوي فقط
وحدات سكنية مستقلة لعائلة واحدة.
حيث يفترض أنه مع وجود الأنشطة التجارية والعمائر السكنية سوف يوجد أناس
غير مرغوب فيهم. وهذا حقيقي
فالأنشطة المتنوعة والكثافات المرتفعة تسهم في وجود أعداد أكبر من الناس، إلا أن
وجود هذه الأعداد سيسهم في وجود بيئة وقائية من خلال نظام مراقبة غير رسمي أكثر
فاعلية للحي (Ishteeaque
1993).
الفضاء الوقائي:
هناك أنواع محددة من الفراغات والتشكيلات
المكانية في الأحياء السكنية (مثل المناطق المتوارية والمظلمة) تشجع على حدوث
الأنشطة الإجرامية، ويستطيع المعماري المطلع على أسلوب المجرمين في الإقدام على
الجريمة أن يتحاشى ببساطة في تصميمه تلك الفراغات التي تدعم الأنشطة الإجرامية. فالمجرم في بحث مستمر عن بيئة غير
حصينة. ويتم منع الجريمة بتكوين
بيئة حصينة وغير مشجعة على ارتكاب الجريمة.
لذا فإن استعمال التصميم المعماري والعمراني بكفاءة مهم لإلغاء المناطق
السكنية المعيبة أو غير الحصينة.
فالفضاء الوقائي –
على سبيل المثال - يعد أنموذجاً جيداً للحلول التي تمنع الجريمة في البيئة
السكنية، وذلك عن طريق إيجاد بناء اجتماعي يتمكن من حماية نفسه، بحيث يكون هناك
هدف واحد لمختلف العناصر التي تكون هذا الفضاء، ألا وهو إيجاد بيئة فيها روح
الجماعة والشعور العام بالمسئولية، لتحقيق حياة آمنة. لأنه عندما يتولى السكان حماية أنفسهم كأفراد وليس كمجموعة
فإنهم يخسرون معركتهم ضــد الجريمة (Newman 1972).
نطاق الحيازة:
يمكن للتصميم أن يمكن السكان والغرباء من إدراك
أن الحي مراقب من قبل قاطنيه، وذلك سوف يمنع المتطفلين من التفكير في الدخول في
بادي الأمر ووقوعهم تحت المساءلة من قبل السكان إذا هم دخلوا إلى الحي. فنادراً ما يرتكب المجرم جريمته إذا علم
أنه سوف يكتشف بسهولة. حيث يمكن
بالتصميم المعماري والعمراني تشكيل التكوينات الخارجية لتظهر بوضوح أن المكان جزء
من النطاق المشترك الخاص بمجموعة من الأسر، التي يمكنها أن تمارس الأنشطة التي
تريد وحسب النمط الذي ترغبه في هذا المكان بتحكم كامل. وهذا لا يمنح السكان الراحة فقط وإنما يعطيهم كامل الثقــة
لاستيقاف الغرباء وسؤالهم، مما سيردع المجرم من التفكير في الدخول (Newman 1972).
إن العنصر الأساسي للوقاية من الجريمة في
الأحياء هو إيجاد نطاق حيازة واضح على مستوى الحي والمجموعة السكنية وكذلك الوحدة
السكنية. فتوزيع العناصر وعلاقتها
ببعضها يمكن أن يوجد كياناً مميزاً للحي يسهم في رفع مستوى الأمن من خلال المراقبة
الذاتية. حيث يمكن من طريقة توزيع
المباني تشجيع السكان أو منعهم من مراقبة حيهم من خلال مكثهم في مساكنهم أو من
خلال تنقلاتهم في الحي. إن إطلالة
أبواب ونوافذ الوحدات السكنية على الطرق يمنح المساكن نطاق حيازة أكبر، ويمكن
السكان من مراقبة الخارج بشكل طبيعي وبالمقابل يمكن الدوريات الأمنية والجيران من
مراقبة المسكن وملاحظة أي أنشطة غير طبيعية حوله (Ishteeaque 1993).
كما يجب أن تكون الوحدة السكنية ظاهرة وغير
مخفية كلياً أو جزئياً لكي يمكن مراقبتها بسهولة من قبل الجيران أو المـارة (Miller 1980). فقد وجد أن المسكن
الذي يمكن دخوله من نقطة (باب أو نافذة) غير مراقبة من قبل الجيران أو المارة يكون
أكثر سهولـــــة وعرضـــة للاقتحام (Poyner 1983). فبإمكان المصمم
توقيع النوافذ والمداخل، وتحديد ممرات الحركة ومناطق الأنشطة، بطريقة توفر للسكان
إمكانية المراقبة المستمرة للشارع ولبعض أجزاء الحي، وبهذا يكون الشارع تحت
المراقبة، ويكون المبنى والنوافذ والمداخل مراقبة كذلك من الشارع.
نستطيع من العرض والنقاش السابق استخلاص
المجموعة التالية من المعايير التصميمية التي يؤدي تطبيقها، في مرحلة تصميم وتخطيط
الأحياء السكنية، إلى الحد من الجريمة والرفع من مستوى الأمن بها، ونشر الإحساس
بالأمن لدى السكان:
§ وضوح
المداخل إلى الحي كبوابات تحدد للحي نطاق الحيازة الخاص به، وتمنحه هويته المميزة
بطريقة تمكن السكان من مراقبة هذه المداخل والتحكم فيها.
§ إلغاء الطرق
العابرة داخل الأحياء السكنية، واستخدام نظام الشوارع السد (Cul-de-sacs) أو الساحات (Courtyards)
أو الشوارع الحلقية (Loops)للحد من
دخول العابرين بسياراتهم أو على الأقدام إلى الشوارع السكنية المحلية.
§ تصميم شبكة
طرق تخفض من سرعة السيارات وتحد من سيطرتها.
§ زيادة فرصة
السكان والمارة في المراقبة، بحيث يتمكن السكان من داخل وحداتهم السكنية من مراقبة
الشارع والوحدات السكنية المجاورة، وأن يتمكن المارة كذلك من مراقبة الأنشطة
المشبوهة حول الوحدات السكنية أو بداخلها.
§ تنمية مفهوم
الحي من خلال التأكيد على إبراز هويته المميزة،
وتحديد نطاق الحيازة للفراغات المشتركة به، وتطبيق نظام التدرج الهرمي للشوارع
والفراغات، مما سيؤدي إلى تمكين السكان من القيام ببعض الأنشطة المشتركة خارج
الوحدات السكنية وبالتالي تقوية العلاقات الاجتماعية بينهم، وتمييز الغرباء بسهولة
ووضوح.
§ توظيف مفهوم
تنسيق الحي من خلال توفير العناصر الحيوية، مثل الأرصفة والتشجير والإضاءة
والجلسات المظللة والمحمية ومباني المرافق والمحلات التجارية، وكذلك توفير
الفراغات المشتركة شبه الخاصة كمناطق تجمع ضمن الحي السكني، لتشجع السكان على
البقاء خارج الوحدات السكنية والتنقل على الأقدام داخل الحي السكني.
§ إلغاء
المناطق التي تُمكن المجرم من الاختباء، مثل بقاء القطع السكنية بيضاء (غير مطورة)
ومنتشرة داخل الحي وبين الوحدات السكنية.
لكي نحدد مدى تطبيق المعايير التصميمية السابقة
في الأحياء السكنية المعاصرة، سنستعرض فيما يلي أمثلة لمجموعة منتخبة من الأحياء
السكنية المعاصرة في مدينة الرياض تمثل هذه الأحياء نمط التخطيط الشبكي الشائع في
نظام تصميم الأحياء وتقسيمات الأراضي به، بالإضافة إلى بعض الأساليب التخطيطية
والتصميمية الأخرى.
تتكون غالبيــة المناطق السكنية في مدينة الرياض
من أحياء سكنية مربعة الشكل أبعادها (2 X 2 كم) وبمساحة
(4كم2)، طبقاً لمخطط دكسيادس (شكل 1). تم تصميم الطرق في هذه الأحياء بعروض
مختلفة وحسب النظام الشبكي المتعامد. ينقسم كل حي سكني إلى مجموعة من المجاورات
السكنية المحاطة بشوارع تجارية، تسمح بإقامة المحلات التجارية وعمائر الشقق
السكنية عليها. أما الشوارع الداخلية
فمخصصة لإقامة الوحدات السكنية المنفصلة (الفيلات) أو شبـه المنفصلة (الدبلكسات)
عليها، وجميع هذه الوحدات السكنية محاطة بأسوار لا يقل ارتفاعها عن (3م). وتفتقد هذه الأحياء للطرق المخصصة
للمشاة. كما أن (35.3%) فقط من
شوارع الأحياء السكنية تحتوي علـى أرصفة للمشاة، حيث تتوفر الأرصفة على جانبي
(24.7%) من الشوارع فقط، ونجد أن في (5.9%) منها يوجــد الرصيف على جانب واحد فقط،
وتوجد الأرصفة على جزء من الشوارع التي تبلغ نسبتها (4.7%). كما اتضح أيضاً أن متوسط عرض الرصيف لا
يزيد عن (1.7م) بما تحويه من عوائق للمشاة مثل الأشجار واللوحات الإرشادية
والسلالم أو المنحدرات الموصلة للوحدات السكنية (Bahammam 1995).
